أي: انظُرْ أَيُّها النَّاظِرُ أيًّا كُنْتَ إلى حال الذي يُكَذّبُ بيوم الدّين، تجدْ من صفاته أنّه يَدُعُ اليتيم، ولا يحضُّ على طعام المسكين.
* والباقي من الصفات المذكورة في السورة للمكذب بيوم الدين جاءت بأسْلُوبِ التهديد والوعيد بالعذاب يوم الدّين، فقال الله عزّ وجلّ فيها:
{فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَأَئُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} أي: فويلٌ للمكذّبينَ بيَوْم الدّين، وإنْ صَلَّوْا على التقاليد والعادات الجاهليّة لله، لأنَّهم إذا صَلَّوْا فَهُمْ عن مَعَانِي صلاتِهم سَاهُونَ، إذْ هم بها يُرَاءُونَ، وأَدْنَى المعونات الاجتماعية بين الناس يَمْنَعُونَ.
فحصل بهذا الأسلوب التَّنْويع الجماليُّ الفنّي، مع التهديد والوعيد بالوَيْل، وهو العذابُ الشديد، ووادٍ في جهنَّم فيه عذابٌ شديد أليم.
المثال الثالث:
يجد المتدبّر لسورة (ق) تنويعًا عجيبًا رائعًا، في عَرْضِ الأدلّة، لدفْعِ شُبُهاتِ مُنْكري البعث، فقد جاء فيها ما يلي:
(1) {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} .
هذا دفْع شُبْهة أنَّ ما يتَلاشَى من أجسادهم وصفاتها بعوامل الفناء في الأرض يَجْعَلُ إعادتَهُمْ إلى ما كانوا عليه أمرًا غير ممكن للجهل به، فجاء البيان مُثْبِتًا عِلْمَ اللَّهِ بكلِّ حَرَكةِ تغيير تَحْدُثُ في أجساد الموتى، وهو مُسجَّلٌ في كتابٍ يحفظ كلّ صغيرة فلا يَضِلُّ عن عِلْمِ الله وعن كتابه الحفيظ شيء.
(2) {أَفَلَمْ يَنظُرُو ا إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} .
قد جاء بأسلوب توجيه أنظار منكري الْبَعْثِ إلى أثَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ في الكَوْنِ، في السماء والأرض، ممّا هو في المظهر أكبر من خَلْقِ الناس، للتنبيه على دليلٍ عقليّ يدُلُّ أهل البصيرة على أنَّ خالق السماوات والأرض، ومدبِّرَ أمورها لا بُدَّ أن يكون قادِرًا على بَعْث الأحياء بعْدَ مَوْتِها، فالإِنكار لا ذريعة له مع وجود هذا البرهان.
وقد جاء توجيهُ الأنظار بأسلوب الاستفهام الذي فيه معنى التلويم والإِنكار عليهم إذْ لم يَتَنَبَّهُوا لهذا الدليل العقلي.
(3) {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ ... } [الآية:15] .
استفهامٌ يَتَضَمَّنُ التّنبيهَ على دليلٍ عقلِيّ بُرْهَانِيّ آخر، وهو قياسُ ما سيكونُ على ما كان، فالذي بدأ الخلْقَ الأوّل على غير مثال سبق قادرٌ على أن يُعِيدَهُ بعد فنائه، إنّه سبحانه لم يَعْيَ بالخلقِ الأول، أي: لم يعجز عن خلقه فكيف يَعْيَا بالخلق الثاني.
ومع هذا الدليل نلاحظ في النص أيضًا أنّه يتضمن إشارةً إلى دَفْعِ شُبْهَةِ أنَّ الخلْقَ الأوّل قَدْ أصابَ الخالِقَ بالإِعْيَاء، وجاء النصّ بأسلوب الاستفهام الإِنكاريّ، وداعي الإِنكار أنّ الْخَلْقَ أوّلًا وثانيًا وإلى غير نهاية لا يحتاج من الخالق إلاَّ أن يقولَ للشيء المراد: كُنْ فيكون.
(4) {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} .
جاء هذا البيان بأسلوب الإِثباتِ التقريريّ المؤكَّد، لِدَفْعِ شُبْهَةِ أنَّ أعْمَالَ الإِنْسانِ الباطِنَةَ وبَعْضَ أعْمَالِهِ الظّاهِرَةِ لا يُحيطُ بها الْعِلْمُ الرَّبَّانيّ، وهو تقريرٌ مسْبُوقٌ بالدّليل عليه، وهو كونُ الرَّبّ هو الخالق للإِنسان، والخالِقُ له لا بدَّ أن يكون عالمًا بكلّ خصائصه النفسيّةِ وعناصره الّتي ركّبَهُ مِنْهَا، ومن لازم ذلك أنْ يَعْلَمَ مَا تُوَسْوِسُ به نفسُه، وأنْ يعلَمَ كُلَّ أعْمَالِهِ الظاهرةِ والباطِنة ويُحَاسبَهُ عليها.
هذه أنواعٌ من الأساليب البيانيّة، جاءت لتَرُدَّ شُبَهاتِ المنكرين لقضيَّةِ البعثِ للحساب والجزاء، ومِنَ الملاحَظِ أنّ الموضوع فيها واحِدٌ، ولو عَالَجْنَاه بأساليبنا الإِنسانيّة لقال أحْسَن أديبٍ فينا وأَبْرَعُ كَاتبٍ مقالًا ذكر فيه أنَّ شبُهَاتِ المنكرينِ تَرجِعُ إلى عِدَّة توهمات: فالأول: جوابه كذا. والثاني: جوابه كذا. والثالث: جوابه كذا. والرابع جوابه كذا.