فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 183

إنَّ ممّا يُحْدِثُ المسرّة والارتياح في الكلام أنْ يُتَابِعَ الأنفس فيما تسترسل به من أفكار تداعي، ويَجْلُبُ بعضها بعضًا، ويُمْسِكُ بعضها بأعناق بعض، بشرط عدم الاسترسال المملّ. وذو الحسّ المرهف يستطيع أن يُدْرِكَ متى يحسن الاسترسال مع تداعي أفكار المخاطب أو القاراء، ومتى يحسن قطع الاسترسال، ومتى يحسن الانتقال لأمر مثير بالمفاجأة الحلوة المعجبة.

فمن أمثلة المسايرة الحلوة لتداعي الأفكار قول الله تعالى في سورة (فاطر) :

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) } .

إنّ الحديث عن اختلاف الألوان في الثمرات يستدعي في الأفكار تصوّر اختلاف الألوان في الجبال، لأنَّها هي التي تبرز في اللّوحة الفنيّة أوّلًا بعد النّظر إلى الثمار في أشجارها، فيخطر اللّون الأبيض منها على اختلاف درجاته، فالأحمر على اختلاف درجاته، ثمَّ الأسود، ثمّ ينتقل الذهن بالتداعي الفكري إلى الألوان في الدوابّ والأنعام. هذا هو الأمر الغالب بالنسبة إلى واقع أحوال النَّاس.

ولا يخفى أنّ متابعة الأفكار في تداعيها الذاتي كثيرًا ما يكون مريحًا للنُّفوس، ومُعْجبًا لها، فهو إذن من عناصر الجمال، إذا استوفى شروطه، وخلا من المنفِّرات أو المزعجات، ولم يَطُلْ حتى يُحْدِثَ الْمَلَلَ والسّأَم.

ومن الأمثلة أيضًا: قول الله تعالى في سورة (الغاشية) :

{أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) } .

ففي هذه الآيات تصوير للوحة فنّية متحرِّكة، تبدو بالتتابع كما هي في النَّص، بالنسبة إلى الناظر الجالس في الصحراء، إذا مرّت بعيدًا عنه قافلة من الإِبل.

إنّ أوّل ما يلفت نظره لدى مشاهدة هذه اللّوحة من مشاهد الطبيعة، أنْ يتركَّز انتباهه في مشاهدة قافلة الإِبل، وتكون القافلة بالنسبة إليه هي بؤرة المشهد، لأنَّها هي المتحرِّك الآسر الجالب للانتباه، وتلقائيًَّا ينتقل نظره بعد ذلك إلى الأفق، من مستوى نظره إلى أسنمة الجمال إلى الأفق، حتّى إذا ملأ نظره من الأفق نزل ليرى الجبال من بعيد، ثمّ بعد ذلك ينخفض نظره ليركزّ انتباهه في مشاهدة الأرض المنسطحة.

وعلى وفق هذا المشهد الذي يتكرّر لدى كثير من سكان الصحراء في خيامهم ولدى عابريها جرى تصوير الصورة الكلاميّة، وقد وافق التسلسل فيها التسلسل الذي يَحْدُثُ غالبًا عند النَّاس، لدى مشاهداتهم لمثل هذه اللوحة في الصحراء.

وهذا من عناصر الجمال الفنِّي لا محالة.

6 -نقل الأسماء أو الصِّفات من مواضعها الطبيعيَّة وإضفاؤها على غيرها:

* قد يكون من عناصر الجمال في الكلام نقل الأسماء أو الصِّفات من مواضعها الاصطلاحيّة أو الطبيعيّة وإضفاؤها على غيرها، لوجود ما يستدعي في التخيّل هذا النقل، وإن لم يكن في الواقع كذلك.

فمن ذلك نقل صفة الحالّ في الشيء وإضفاؤها على ذلك الشيء كقولنا:"جرى النهر"مع أنّ الجريان هو للماء في النّهر، ولكنّ التخيّل ربَّما أحسّ لدى مشاهدة جريان الماء في النّهر أنّ النّهر يجري أيضًا مع الماء.

ومن بديع هذا النَّقل قول الشاعر:

*وسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الأَبَاطِحُ*

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت