ولدى بحث أيِّ جانب بلاغي في كلام رفيع من كلام البلغاء ينبغي البحث لاستجلاء الغرض الفكري من الصورة البلاغيّة، فليس المهم مجرّد الإِشارة إلى الصورة البلاغيّة، إنَّما المهم بعد ذلك هو استجلاء الغرض الفكري البياني من ورائها.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} إنَّ الصورة البلاغيّة في النَّص تتلخَّص بإسناد السيلان إلى الوادي، مع أنّ المراد سيلان الماء فيه. فهل انتهينا من البحث.
إنَّ الذي يملك الحسَّ الأدبي الرفيع يقول: لا. لأنَّه يتساءل: ولماذا أسند السيلان إلى الوادي بدل إسناده إلى الماء؟ وما الدَّاعي إلى ذلك وما هو الغرض منه؟.
وبالتأمّل يجد الجواب على تساؤله، إذ يرى أنَّ الغرض الفكري البياني من هذا الإِسناد هو إعطاء السامع أو القاراء صورة تُشْعِرُ على سبيل التخيّل بأنَّ الوادي يسيل فعلًاَ لكثرة تدفّق الماء وارتفاع نسبته في جانبي الوادي.
وهذه الصورة قد تحدث في وهم الإِنسان أو في تخيّلاته حينما يشاهد هدير الماء الكثير الذي يغمر قدرًا كبيرًا من الوادي.
فالتعبير إذن تصوير صادق لما يَجْرِي في التخيُّل لدى مشاهدة الحدث المادي.
4 -الجمع بين الأشياء المتضادّة:
وقد يكون من عناصر الجمال الأدبي في الكلام الجمع بين الأشياء المتضادّة في صورة كلاميّة متناسقة.
وذلك لأنَّ الأضداد سريعة التخاطر في الأذهان، فإيرادها قد يُحْدِثُ ارتياحًا جماليًّا في النَّفس.
والحسّ الذوّاق للجمال يتحكّم بإدراك التناسق أو التنافر في الصورة التي تجمع بين المتضادّات، إذ ليس كلّ جمع بين المتضادّات يُحْدِثُ هذا الارتياح النَّفسي.
فمثلًا: لا ترتاح النُّفوس لدى ذكر ما يثير تقزّزها ونفورها، وإن كان ذلك مقابل ذكر ضدّه أو نقيضه، إنّ ذكر المُحْزِنات لدى ذكر المُفْرِحات أمرٌ مستنكر تنفر منه الطباع، ما لم يكن عَرْضًا لمباداء عامّة لها طابع التأمّل الفلسفي، وإنّ ذكر المستقذرات في مقابل الطيِّبات أمرٌ مستهجن تنفر منه النُّفوس ولا ترتاح له. وهكذا.
فمن أمثلة المزدان بعنصر الجمع بين الأضداد الذي يُحدث إعجابًا وارتياحًا في النفُّوس، ولا يُحدث نفورًا ولا انزعاجًا ولا تقزّزًا، مايلي:
(1) قول الله تعالى في سورة (النجم) :
{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) } .
(2) وقول الله تعالى في سورة (الحج) :
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) } .
(3) وقول الله تعالى في سورة (الروم) :
{وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } .
(4) وقول الله تعالى في سورة (الأعلى) : {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا (13) } .
5 -مسايرة المخاطب في تداعي أفكاره:
وقد يكون من عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام مسايرة المخاطب في تداعي أفكاره، بالمقدار الذي يُحْدِثُ الارتياح ولا يُورِث الملل.