هذه الفاحشة ونحوها ممَّا ذُكر في الحديث.
وأركانُه ستَّةٌ كما جاء في حديث عمر بن الخطاب الطَّويل؛ وفيه سؤالُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جبريل عن الإيمان، قال: «أن تؤمنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه» [1] .
قال عبدُ الله بن مسعود - رضي الله عنه: «إذا سمعت اللهَ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فأرعها سمعَك؛ فهو خيرٌ يأمر به أو شرٌّ ينهى عنه» [2] .
(1) سيأتي تخريجُه قريبًا، والإيمانُ بالله يتضمَّن أمورًا أربعة: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيَّته، والإيمان بألوهيَّته، والإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بالملائكة يتضمَّن الإيمان بوجودهم وبأعمالهم على جهة الإجمال والتَّفصيل، والإيمان بكتبه يتضمَّن الإيمانَ بأنَّها من عند الله والإيمان بكلِّ ما فيها، والإيمان برسله يتضمَّن الإيمانَ بأنَّهم رسلُ الله، وأنَّ ما جاؤوا به من عند الله حقٌّ، واتِّباعُهم، والإيمان باليوم الآخر يتضمَّن الإيمان باليوم الآخر، وبالبعث والجزاء على الأعمال، والجنة والنار وغير ذلك مما يكون في هذا اليوم.
والإيمان بالقدر خيره وشره: الإيمان بأن الله كتب مقادير كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيء بقضاء وقدر، وأنَّ ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبَه. انظر «شرح الطَّحاوية» 2/ 511 وما بعدها.
(2) أخرجه ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» 3/ 902 - الأثر 9027، وذكره ابن كثير في «تفسيره» 3/ 4.
وهذه عبارةٌ جامعةٌ؛ فما بعد هذا النِّداء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} لا يخلو إمَّا أن يكون أمرًا كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة آل عمران، الآية: 200، وإمَّا أن يكون نهيًا؛ كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ} سورة الحجرات، آية: 2، وقد يجتمع الأمرُ والنَّهيُ كما في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} سورة النساء الآية (19) ، وكما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . سورة آل عمران الآية (102) ، وقد يأتي بعد هذا النِّداء خبر لكن الغرض منه إمَّا أمر وإمَّا نهي وتحذير؛ كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} سورة التوبة الآية (34) ؛ فهذا خبرٌ عن حال هؤلاء الرُّهبان وما هم عليه من أكل الأموال بالباطل والصَّدّ عن سبيل الله، والغرض من سياق هذا الخبر هو التَّحذير ممَّا هم عليه.