جعل هذا حاديه شمَّر وفزِع، وجعل مطيته تسير به إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
قال صلة بن اشيم لمعاذة: «ليكن شعاركِ الموت؛ فإنَّك لا تبالين على يسيرٍ أصبحت من الدنيا أم على عسر» .
فإنَّ من تذكَّر الموت هانت عنده الدُّنيا ومصائبها، وزهد في أموالها وذهبها، وفرشها وسررها؛ لأنَّه علم أنَّ ما عند الله خيرٌ وأبقى، ولهذا فهو عالي الهمة، قوي العزيمة، لا تقدم عنده الدنيا شيئًا ولا تؤخر إلا ما كان منها في عملٍ صالح موافق لما جاء به - صلى الله عليه وسلم - بعيدًا عن الرِّياء والسُّمعة. ولماذا يرائي ويفتخر وهناك من ينتظره؟
قال الحارث بن إدريس: «قلت لداود الطَّائي: أوصني، فقال: عسكُر الموت ينتظرونك» [1] .
فالمرء منذ أن يخرج من بطن أمه وملك الموت ينتظر أجله متى يحين؛ حتى يقبض روحه، ولذلك قال عون بن عبد الله: «ما أنزل الموت منزلته من عدّ غدًا من أجله، فكم من مستقبل يومًا لا يستكمله، وكم من مؤمِّلٍ
(1) صفة الصفوة (3/ 141) .