الزهد لا يعني أن تترك الدنيا ,إنما الزهد في الحقيقة كما قال: سفيان بن عيينة- رحمه الله تعالى-: (الزهد إنما هو الزهد فيما حرم الله) وقال آخر: (الزهد هو زهد القلب) فإذا زهد القلب فلا يضرك ما كان من الدنيا في يديك، وهذا هو الذي كان عليه جماهير الصحابة- رضي الله عنهم-، كانت الدنيا في أيديهم ولم تكن في قلوبهم، لكن المتأخرون أخذوا صورة الزهد فقط، وابتكروا رياضات حرموا بها في الحقيقة ما أحل الله- عز وجل-، بل وعابوا على الذين تناولوا شيئًا من الدنيا حتى من حِلِه. وكنا وصلنا في المرة الماضية عند قول بن الجوزي- رحمه الله تعالي- وهو يتكلم عن بعض المتزهدة الذين لا يعرفون أبجديات الأحكام الفقهية. قال: (ولقد بَلغَنا في الحديث عن بعض من نُعَظِمُه، ونَزُوره، أنه كان على شاطئ دجلة، فبَال ثم تيمم، فقيل له الماء قريب منك، فقال: خِفتُ أن لا أبلُغَهُ، وهذا وإن كان يدل على قِصَر الأمل، إلا أن الفقهاء إذا سمعوا عنه مثل هذا الحديث تَلاعبُوا به، من جِهة أن التيمم إنما يصح عند عَدَمِ الماء، فإذا كان الماء موجودًا كان تَحرِيك اليدين بالتيمم عَبثًا، وليس من ضروري وجود الماء أن يكون إلى جانب المُحدِث، بل لو كان على أَذرُعٍ كثيرةٍ، كان موجودًا فلا فِعلَ للتيمم، ولا أثَرَ حينئذٍ ,ومن تأمل هذه الأشياء، عَلمَ أن فقيهًا واحدًا - وإن قل أتبَاعَهُ، وخَفَت إذا مات أشيَاعَهُ - أفضل من ألوفٍ تتمسحُ العَوام بهم تبركًا، ويُشيعُ