فأبو عبيد يوم الجمعة جالس بجانب الإسطوانة العمود، ورجل يجلس متمكن ثم أخرج ريح فقال له أبو عبيد قم توضأ، فجعل الرجل يقسم أنه لم يفعل شيئًا من ذلك فغير أبو عبيد مذهبه بسبب هذه الواقعة وذهب إلى ما ذهب إليه جماعات من أهل العلم إلى أن النعاس قليله وكثيره ينقض الوضوء.
فانا أريد أن أقول ونحن بين يدي هذه الخواطر للإمام أبي الفرج بن الجوزي -رحمه الله تعالي- في كتابه صيد الخاطر، وطبعًا كتاب صيد الخاطر واضح من العنوان أنه يصطاد إذا مرَّ بخاطره شيءٌ يستحق أن يسجل فيسجله وأنا ندمت كثيرًا أنني لم أسجل خواطر كثيرة مرت بي، احتجت إليها فندَّت عن ذهني وكانت المعاني فيها رائقة ,بن الجوزي يقول أنه فرط فيما مضي من الزمان ثم انتبه إلى هذا الأمر فبدأ كلما خطر عليه شيء يسجله، وهذه كانت عادة أهل العلم.
فعادة أهل العلم كلما مرَّ عليه شيء ذي بال سجله: يقول محمد بن أبي حاتم الوراق عن الإمام البخاري- رحمه الله- الذي كان ينسخ له كان يقول: (ربما استيقظ في الليلة ثلاثين مرة يسجل شيئًا ثم يطفئ المصباحشيء يخطر بباله) كما قال بن عقيل الحنبلي (أنه لا يحل لي أن أضع ساعة من عمري حتى إذا كلَّ لساني عن مناظرة وبصري عن مطالعة استطرحت، فأعمل فكري حال استطراحتي فلا أقوم إلا وقد خطر لي ما أسطره،)