بالسابقة، وقال بعض السلف: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، وكان أبو الدرداء يحلف بالله عزّ وجلّ: ما أحد أمن أن يسلب إيمانه إلاّ سلبه، ويقال: من الذنوب ذنوب تؤخر عقوبتها إلى سوء الخاتمة؛ وهذا من أخوف ما خافه العاملون من قوله تعالى: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) المؤمنون: 63، وقيل: من الذنوب ذنوب لا عقوبة لها إلاّ سلب التوحيد في آخر نفس نعوذ بالله تعالى من ذلك، وقيل: هذا يكون عقوبة الدعوى للولاية والكرامات للافتراء على الله تعالى، وكان سهل رحمه الله تعالى يقول: من علامة الأولياء أنهم يستثنون في كل شيء، وقال من قال: أفعل كذا، ولم يقل إن شاء الله تعالى، سئل عن هذا القول يوم القيامة فإن شاء عذبه وإنْ شاء غفر له، وقد نهى الله تبارك وتعالى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لا يقول شيئًا حتى يستثني، وأمره بالاستثناء إذا نسي فقال تعالى: (وَلاَ تَقُولَنَّ لشَيءٍ إنّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إلاَّ أَنْ يَشَاءَ الله) الكهف: 23 - 24، ثم قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسيتَ) الكهف: 24، أي الاستثناء، أي فاستثن إذا ذكرت فتأدب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك أحسن الأدب فكان يستثني في الشيء يقع لا محالة،.
فروي أنه دخل المقابر فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، وقال سبحانه معلمًا لعباده الاستثناء ورادّهم إليه بمشيئته؛ وهو أصدق القائلين وأعلم العالمين: (لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إنّ شَاءَ الله آمِنينَ) الفتح: 27، والاستثناء أصل يرد إليه من عرفه ولم ينكر الاستثناء، والأصل هو أن يزيد وينقص فأما زيادته فقد ثبت بنص الكتاب من قوله تعالى: (وَيَزيدُ الله الَّذينَ اهْتَدَوْا هُدْىً) مريم: 76، ومن قوله تعالى: (فَزَادَهُمْ إيمَانًا) آل عمران: 173، إلى نظائرها وما يزيد فهو ينقص لأن معناه موجود في الكتاب بدليل الخطاب من قوله تعالى: (وَلاَ يَزيدُ الظَّالِمينَ إلاَّ خَسَارًا) الإسراء: 82، وقوله: (وَلَيَزَيدّنَ كَثيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) المائدة: 64، ومن قوله تعالى: (وَفي آذَانِهِمْ وَقْرًا) الأنعام: 25، وفي قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ) التوبة: 125، فما يزيد الظالمين إلا خسارًا ينقصهم رجحانًا وربحًا، وما يزيدهم إلاّ كفرًا ينقصهم إيمانًا، وما يكون عليهم عمى ينقصهم بصيرة، وما يكون لهم رجسًا يكون لهم من الطهارة نقصًا، من قبل أنّ مزيد الشرّ نقصان الخير، كما أنّ مزيد الخير نقصان الشرّ،، فإذا ثبت أنّ الإيمان يزيد بالصالحات وينقص بالسيّئات وجب الاستثناء فيه، لأن الصالحات درجات يعلو فيها المؤمنون بحسن الولايات والمجاهدات، قال الله تعالى في المجمل من الخطاب: (وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ) آل عمران: 139، وقال: (وَالله وَلِيُّ المُؤْمِنينَ) آل عمران: 68، وقال في المفسّر: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) الأحقاف: 19، وقال في مثله: (وَهُوَ وَليُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام: 127، وقال: (لاَ يَسْتَوي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرُ أُولى الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ في سَبيلِ الله)