فحثَّ النَّاس على الصَّدقة فأبطؤوا عنْه حتَّى رُؤِي ذلك في وجهه، قال: ثمَّ إنَّ رجُلًا من الأنصار جاء بصُرَّة من وَرِق، ثمَّ جاء آخَر ثمَّ تتابعوا حتى عُرف السرور في وجهه، فقال رسولُ الله ?: (( مَن سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فعُمل بها بعده كُتِب له مِثْلُ أجْرِ مَن عمل بها ولا ينقص من أُجُورِهِم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيِّئة فعمل بها بعده كُتِب عليْه مثل وِزْر مَن عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء ) )؛ رواه مسلم.
ووجه الدلالة: أنَّ النَّبيَّ ? أثْنى على عمل الرَّجُل الَّذي جاء بصرَّة من ورِق واقتدى به النَّاس وتتابعت صدقاتُهم.
وكأن تكون المصلحة دفْع التُّهمة عن نفسه حين يُتَّهم بعدم إخراج زكاة ماله؛ فإنَّه حينئذٍ يُظْهِرها لينفِيَ التُّهمة عنه، وكل مصلحة ترجِّح إظهار الصَّدقة فإنَّه يظهرها حينئذٍ، أمَّا إذا لم تكن هناك مصلحة فالأفضل إخفاؤها.
والتعليل: للأدلَّة التي تحثُّ على إخفاء الصَّدقة ولأنَّه أبعد عن الرِّياء، ولأنَّه أستر لمن يأخذ الزَّكاة.
مسألة: هل يخبِر المزكِّي مَنْ يأخُذ الزكاة أنَّ هذه زكاة؟
القول الأوَّل: يُكْرَه إعلامه بأنَّها زكاة، وهذا قول المذهب.
والتعليل: لئلاَّ ينكسر قلب الفقير.
والأظهر والله أعلم: أنَّه لا يُعلمه بذلك للتَّعليل السَّابق، إلاَّ إذا كان هناك ما يمنع كأن يشكّ بأنَّ الآخذ ليس من أهل الزكاة فيخبره؛ ليكف عن قبولها لأنَّه ليس من مستحقِّيها، أو كأن يكون الآخذ من أهل الزَّكاة لكنَّه لا يقبل الزَّكاة ويتعفَّف عن قبولها فيُخْبَر بذلك.
مسألة أخرى: ما الذي يقوله المزكي عند دفع الزكاة وما الذي يقوله الآخذ لها؟
أوَّلًا: ما يقوله المزكي.
المذْهَب: أنَّه يسن للمزكِّي عند دفع الزَّكاة أن يقول:"اللَّهمَّ اجعلها مغنمًا ولا تجعلْها مغرمًا".
واستدلُّوا: بحديث أبي هريرة - رضي الله عنْه - مرْفوعًا: (( إذا أعطيتُم الزَّكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهمَّ اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا ) )؛ رواه ابن ماجه وهو حديث ضعيف الإسناد.