"وربما كان ذلك أيضا، لأن الدعوة السليمة كانت اشد أثرا وأنفذ، في مثل بيئة قريش، ذات العنجهية والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه المرحلة - إلى زيادة العناد، وإلى نشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة التي أثارت حروب داحس والغبراء، وحرب البسوس، أعواما طويلة، تفانت فيها قبائل برمتها، وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام، فلا تهدأ بعد ذلك ابدا، ويتحول الإسلام من دعوة ودين إلى ثارات وذحول تنسى معها وجهته الأساسية، وهو مبدئه، فلا تذكر ابدا!"
"وربما كان ذلك أيضا، اجتنابا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت، فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة، هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم، إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء كل فرد يعذبونه ويفتنونه"ويؤدبونه"! ومعنى الإذن بالقتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت. . ثم يقال: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم. في أواسط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمدا يفرق بين الوالد وولده، فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي. . في كل بيت وفي كل محلة؟"
"وربما كان ذلك أيضا لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم، ويعذبونهم، هم بأنفسهم سيكونون جند الإسلام المخلص، بل من قادته. . ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟!"
"وربما كان ذلك أيضا، لأن النخوة العربية، في بيئة قبلية، من عاداتها أن تثور للمظلوم الذي يتحمل الأذى، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان واقعا على كرام الناس فيهم. . وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة - في هذه البيئة - فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة،"