لذلك فإننا نحتاج إلى منهج شديد الشبه بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، لبيان حقيقة لا إله إلا الله، ثم تحويلها إلى واقع معاش في حياة الذين يعتنقون هذا الدين.
وفي ظني أنها مهمة شاقة، لا تَقِلُّ مشقةً، ولا حاجة إلى بذل الجهد، عما بذل في الجولة الأولى، لإزالة الغربة عن الإسلام أول مرة، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم حاضرًا بشخصه يمثل القدوة الحية ومنبع الإلهام.
لقد كان العسر في الجولة الأولى ناشئًا من لدد الخصومة، بالإضافة إلى شدة التمسك بعُرف الآباء والأجداد: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) [مريم: 97] . (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) [البقرة: 170] .
أما في الجولة الثانية، فلن نجد مشقة في أن نجعل الناس ينطقون بأفواههم: لا إله إلا الله، فهم ينطقونها صباح مساء! ولكن المشقة أنهم يظنون أنهم بمجرد نطقهم للا إله إلا الله صاروا مسلمين، ولصقت بهم صفة الإسلام، أيًا كان سلوكهم الواقعي، وأيًا كان مدى نقضهم لمقتضيات لا إله إلا الله في عالم الواقع! وأنك إن قلت لهم: إن للا إلا إلا الله مقتضيات لا يثبت للإنسان إسلامه إلا بالتزامها، وإلا أخذ عليه إقراره اللساني واعتُبر مرتدًا، كذبوك! وقالوا: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين!
إنهم - معظمهم - واقعون في لوثة الفكر الإرجائي، الذي يقول:"مَن قال لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملًا واحدًا"