الصفحة 60 من 93

ولك أخي في نبيّك أسوة حسنة في التعامل مع مثل هذه المصائب، فقد ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره في سورة النحل تحت قوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (النحل: 126 - 128) : قال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أُحد حين قُتل حمزة رضي الله عنه ومُثّل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلًا منهم"، فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر السورة، وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم.

وقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول لله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه، أو قال لقلبه، فنظر إليه وقد مُثّل به، فقال:"رحمة الله عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولًا للرحم، فعولًا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك"فنزل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه السورة وقرأ {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به} إلى آخر الاَية، فكفّر رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني عن يمينه - وأمسك عن ذلك، وهذا إسناد فيه ضعف، لأن صالحًا هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث، وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم لنمثلن بهم فأنزل الله فيهم ذلك.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا هدية بن عبد الوهاب المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربيّن عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى مناد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمَّن الأسود والأبيض إلا فلانًا وفلانًا - ناسًا سماهم - فأنزل الله تبارك وتعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به} إلى آخر السورة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نصبر ولا نعاقب" [هذا الحديث أخرجه الحاكم وصحح إسناده ووافقه الذهبي، والترمذي وقال: حسن غريب، وقد جاء عندهم بألفاظ مشابهة] ، وهذه الاَية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل كما في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ثم قال: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} الاَية. وقال: {والجروح قصاص} ثم قال {فمن تصدق به فهو كفارة له} وقال في هذه الاَية: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ثم قال {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} . (انتهى كلامه رحمه الله) ..

فهذا أسد الله وسيّد الشهداء وعم النبي وأخوه من الرّضاع: يُقتل ويُمثَّل به ويُلاك كبده في منظر تقشعرّ منه النفوس، ومع ذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم العفو والصبر، لا لشيء إلا لأن هذا العفو من مصلحة الدعوة، والنبي صلى الله عليه وسلم عاقب العرنيين فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَل أعينهم وتركهم بالحرة حتى ماتوا، فعاملهم بالمثل في الحادثة المشهورة، وكان ذلك أيظًا لمصلحة الدعوة، فالأمر ليس انتقامًا شخصيًا أو حزبيًا، بل الأمر أمر هذا الدين: فما كان مِن العمل فيه مصلحة للدين فعلناه، وما لم يكن فيه مصلحة للدين لمن نفعله، ونصبر ونحتسب أجر الصبر عند الله ..

إن المعاملة بالمثل أمر مشروع في الدين، ولكن تقديم مصلحة الدين أولى، وعدم الأخذ بالثأر لمقتل الحبيب أو القريب أمر غاية في الصعوبة، ولو انتقم النبي صلى الله عليه وسلم من قريش بعد الفتح لما رأينا مسلَمة الفتح ودورهم في تأريخ الأمة، ولاستعدى عليه بقية قبائل العرب التي ترى لمكة ولأهلها حُرمة، ففِعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله كله كان لمصلحة الدعوة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يثأر لنفسه ولا ينتقم لها حتى من الكفار، ولم يُؤثَر عنه صلى الله عليه وسلم أنه غضب لحظِّ نفسه، إلا أن تُنتهك حرمات الدين: عندها لا يقف لغضبه - صلى الله عليه وسلم - شيء ..

أدعو الإخوة في رفح إلى تحكيم العقل وتقديم مصلحة الدعوة على حظ النفس أو الجماعة، وأن يراجعوا أمورهم برويّة ويستشيروا أهل العلم والعقل، وأن لا يستثيرهم الغوغاء والدهماء، فهم على أشد ثغور الإسلام، والعدو اليهودي مترصّد قديم المكر عظيم الخبث، وكذا المرتدين في"فتح"، فالله الله في دينكم وفي ثغركم وفي دعوتكم، والله الله في دماء المسلمين، فإن الفتنة إذا أطلّت برأسها: لا تُفرّق بين بريء ومتّهم ..

الزموا الصبر، واحتسبوا الأجر، وعليكم بالدعوة إلى الله، وإعداد العدة للجهاد في سبيل الله، ولا يشغلنّكم أحد عن نشر العقيدة الصحيحة بين الناس، ودعوتهم إلى توحيد خالقهم، وإن لزم الأمر: فاستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، ولا تُثيروا الناس عليكم، واحذروا مكر الأعداء: فلا نستبعد أن يقوم اليهود أو المندسين من المرتدين بأعمال ينسبونها إليكم ليوقعوا بكم، فكونوا على حيطة وحذر أكثر من ذي قبل .. لا أقول لكم افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا، ولكن أقول: ضعوا نصب أعينكم مصلحة الدعوة وقدموها على كل شيء ..

نسأل الله أن يحفظ إخواننا في فلسطين، وأن يعلي فيها راية الدين، وأن يبرم لها أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، وأن ينصر المجاهدين فيها على العدو، وأن يتقبّل من مات في سبيل دينه في الشهداء، وأن يحقن دماء المسلمين، ويوحّد صفوفهم، ويمكّنهم من عدوهم اليهودي الخبيث وكل من يواليه من أهل الردة والخيانة ..

والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ..

كتبه

الراجي عفو ربه

حسين بن محمود

26 شعبان 1430هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت