الصفحة 61 من 93

بسم الله الرحمن الرحيم

النصيحةُ الذهبيةُ في الموقفِ من حربِ حماس للدعوةِ السلفيةِ

عبد العزيز بن شاكر الرافعي

• تنبيهات:

الأول: كتبتُ أصلَ المقالةِ بعد الجريمةِ بيومين، وأخَّرْتُ نشرَها؛ لتُقرأ وقد هدأت النفوسُ وذهبَت سكرةُ الغضبِ (وإن بقي هو) .

الثاني: أضفتُ بعضَ الفقرات - ووضعتها بين معقوفين [ .. ] - بعد سماعي لتسجيلات صوتية فيها تهاتُف المجرمين وقتَ قصفِهم لإخواننا، ومكالمةً بين أحدِ المجاهدين المحاصرين وأحدِ إخوانِه قبيلَ الاشتباك.

الثالث: ليس نشرُ المقالِ مِن إثارةِ الفتنةِ وشحنِ النفوسِ؛ فإنَّ ما حصلَ لم يكن سببُه غضبٌ أو اندفاع أو ردة فعل غير محسوبة من حماس، بل هو سياسةٌ متَّبعةٌ يُعَدُّ لها بالتآمرِ والحمَلاتِ الإعلاميةِ وشحنِ أتباعِهم واستفزازِ الإخوةِ ... إلخ. والسكوتُ عن ذلك إذنٌ بمثلِه.

أضافَت حماسُ يومَ الجمعةِ الماضي جريمةً إلى جرائمِها السابقةِ، وليسَت هذه الجريمةُ أعظمَها؛ فإنَّ اتَّخاذَ الدستورِ الوضعيِّ -مرجِعًا في الحُكم- والقوانينَ -نصوصًا للتحاكمِ- أعظمُ، وليسَت الأولى مِن جِنسِها؛ فقد سبقتْها جرائمُ قتلٍ وتعذيبٍ وأسرٍ لعبادِ الله الموحِّدين، أشهرُها جريمةُ الصبرةِ المعروفةُ.

ولكن ما يميِّزُ هذه الجريمةَ أنَّنا لا نحتاجُ معها إلى وصفِ أحداثِها وذِكرِ ما حصلَ فيها؛ فقد شهِدها القاصي والداني وعَرَف الناسُ كثيرًا من تفاصيلِها، ويميِّزها أيضًا أننا لن نحتاجَ إلى تقصُّدِ ذِكرِ أكاذيبَ حماس وافتراءاتِها لتفنيدِها؛ فالرجلُ المفترى عليه عَلَمٌ معروف، اسمُه يكفي لتكذيبِ حماس، وحكايةُ دعاواهم عليه تفي بغرضِ ردِّها، وافتراءاتُهم المتناقضةُ تأكلُ بعضَها.

وحسبي أن أقول في هذا المقام: إن قتلَ حماس لأبي النور المقدسي لمبشِّرٌ بانبلاجِ النور، وإن هدَّها لبيتِه وبيتِ ربِّه لمبشِّرٌ بانتشارِ الهُدى، وكأنَّ هنيَّةَ المجرمَ قد قال قبلَ قصفِ المسجدِ: باسمِ اللهِ؛ ربِّ هذا الشيخِ (أبي النور) !

وأقول: حُقَّ لأبناءِ الدَّعوةِ السلفيةِ أن يتلوا في هذا المقامِ قولَه تعالى: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) ، وإذا كان الفتحُ الذين نزلت فيه السورةُ صلحًا مع المشركين كرِهَهُ بعضُ الصحابةِ أولَ الأمر، فإنَّني أسمِّي مقتلَ أبي النور وإخوانَه -ظُلمًا وإجرامًا- أسمِّيه فتحًا، وإن كرهتْه نفسي وكرهه إخواني؛ (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) ، أقول هذا ثقةً باللهِ، وبعدَ تأمُّلِ سننِ اللهِ الشرعيةِ والكونيةِ، وليس إلا أن يُريَ أبناءُ الدعوةِ ربَّهم مِن أنفسِهم أهليةً لهذا الفتح؛ بالتزامِهم بالشرعِ، وتوكُّلِهم على اللهِ، واجتهادِهم في العملِ بأسبابِ التمكينِ؛ فيريهم الله الفتحَ المبينَ لهذهِ الدعوةِ المباركةِ.

إنَّ حماسَ بقتلِها لأبي النورِ قد خطَت آخرَ خطواتِها إلى القضاءِ على حركةٍ إسلاميةٍ مجاهدةٍ، لا أعني جماعة جند أنصار الله، بل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، التي نشأت، وجاهدت، وظُلِمَت، فصابرَت، ثم تمكَّنت، فتنكَّرَت، فطغتْ وتجبَّرتْ، ثم هي تبيدُ قريبًا إن شاء الله. وهي في حياتِها قد مرَّت بأشياءَ متغايرة، وأحوال متنافرة؛ فقد قامَت مقام الجهاد، ثم قامت مقام التشريع، وقد قادها ياسين، وقادها مشعل، وقد ساد فيها الرنتيسي، وساد فيها هنية، وقد قاتلت أعداءَ الله، وقتَّلَت أولياءه، وقد آذاها الطواغيت قتلًا وأسرًا وافتراءً، فقامَت هي فينا مقام الطواغيت قتلا وأسرًا وافتراءً.

لا أقول إنَّ غلَبتَها تبيدُ غدًا أو بعد شهر، ولا أقول إنَّ ما فعلتْه مِن الجرائمِ قبلُ لم يكن خطواتٍ إلى الزوال والاستبدال، ولكنَّ ما فعلَتْه هذه المرة كان مختلفًا بالكليةِ كما ذكرتُ، وبه فقدَت دعائمَ كانَت تسندها، وسُتُرًا كانَت تحجبُ عن الناسِ سوءَتها، وسبحانَ مَن له في كلِّ شيءٍ حِكمة، وإذا أراد اللهُ إهلاكَ قريةٍ أمرَ مترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القولُ.

فحماسُ قد ذهبَ بها الحماسُ إذ فارقته الحكمةُ، وقارنه رقةُ الديانةِ، والتعصُّبُ للحزبِ، والغرورُ بالقوةِ، والصَّلفُ في الرأيِ، فذهب بها الحماسُ إلى تركِ مراعاةِ ما يُعظِّمُ المسلمون حُرمتَه، أعني دمَ المسلمِ وبيتَ الله، وإلى تركِ مراعاةِ ما يعظِّمونَه هم، أعني ما يسمَّى الرأيَ العامَّ، وإذا كانوا قد تركوا الأوَّلَ لمَّا قتلوا صائب دغمش وإخوانَه -رحمهم الله- في جريمةِ الصبرةِ، فإنَّهم قد راعَوا فيها الثاني بتوطئتِهم لها برميِ المجاهدين بأنَّهم منفلتين، وخوارج، وقوادين، ونحو ذلك، ساعدَهم على ذلك أنَّ الإخوةَ مغمورين لا يعرفهم أحدٌ، وساعدَهم عليه أشياء عشائرية وعائلية أحاطَت بالإخوةِ، فصدَّقها كثيرٌ مِن الناسِ .. ولكنها اليوم لم تراعِ أيَّ الأمرين، فهيهات هيهات أن يُصدِّقها اليومَ أحدٌ! حاشا المتعصبين لها، والجاهلين بأحوالِها وحالِ الشيخ الشهيد -نحسبه والله حسيبه- أبي النور المقدسي، أما الناسُ في غزة فيعرفونَه حقَّ المعرفة، يعرفونَه رجلًا خلوقًا خيِّرًا طالبًا للعِلمِ وناشرًا له في خطبِه ودروسِه، ويعرفونَه بأعمالِ الخيرِ والبِرِّ، ولم يعهدوا مِنه غلوًّا في تكفيرٍ؛ ولم يسمعوا منه تكفيرَ المنتسبين إلى حماسَ فضلا عن سائر الشعبِ كما كَذَبَتْ حماسُ، بل هو كما نعرف عنه ينهى عن هذه المسالكِ، وقد سمعناه في خطبتِه يقول عن أبناءِ حماس: هم إخوانُنا بغوا علينا، وجماعةُ جند أنصار الله مثله كما صرَّحوا.

وهم كذلك براءٌ مِن تفجيرِ محالِّ المعاصي كما بيَّنوا، وهم والشيخُ أعداءٌ للعلمانيين في فتح وغيرِها، فماذا بقيَ من تهم حماس؟ بقي تقاضي الشيخ لراتبٍ من فتح لعملِه طبيبًا! فسبحان من جرَّأ القومَ على اتِّهامِ الرجلِ بما هم واقعين فيه جِهارًا! فما الذي يجعلُ راتبَ أبي النور حرامًا وعمالةً وهو يصرِّح بمعاداة العلمانية، ويجعلُ راتبَ أبي العبد هنية حلالا وهو يسمي العلمانيين إخوةً له وينادي بالتوحُّدِ معهم؟ ومتى انقطع راتبُ هنيةَ إلا بعدَ انقلابِه على (الأخ الرئيس) -عنده- الكافرِ المرتدِّ -عندنا- محمود عباس؟ ليس الأمرُ إلا إفلاس حماس وتكلُّفها ما تطعن به في الشيخ أبي النور رحمه الله.

إنَّ لأبي النورِ سيرةً مِن نورٍ كنورِ الشمسِ في ضيائه وصفائه، ومثلَه في أنها لا تُحجبُ بغربالٍ مِن الأكاذيب، فحسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأله تعالى أن يتقبل عبدَه أبا النور وإخوانَه شهداءً، وأن يحقنَ دماءَ المسلمين، وأن ينيرَ بصائرَ عِبادِه الصالحين إلى حقائقِ الشرعِ وفسادِ مسالكِ أهلِ الضلالةِ.

وبعدُ فإنَّ هذه مسائلُ مهمِّاتٍ لا بُدَّ مِن الوقوفِ عندَها مع هذا الخطبِ الجلَلِ، أبدأُ بها مستعينًا بالله.

أولًا: إنَّ إعلانَ الشيخِ أبي النُّورِ للإمارةِ الإسلاميةِ خطوةٌ مستغربةٌ مِن مثلِه، لم يتوقَّعْها مَن عرَفه، وقد اجتهدتُ في معرفةِ سببِ هذه الخطوةِ، بمطالعةِ ما سبقَ هذه الأحداث، وبسؤالِ مَن يعرفون الشيخَ عَن قُربٍ، فلمٍِ أهتدِ إلى وجهِ اجتهادِ الشيخِ بإعلانِه الإمارةَ الإسلاميةَ على وجهٍ يُجزَمُ معَه بمقصودِ الشيخِ، إلا أنَّه لا يَبعدُ أنَّ الشيخَ قد أرادَ بهذا ما أومأ إليهِ في خطبتِه: أن يحثَّ حماسَ على سلوكِ سبيلِ الشريعةِ، أو يستبينَ للناسِ - ومِنهم أبناءُ حماس أنفسُهم- سبيلُها الموصلُ إلى العلمانيةِ الصريحةِ، وهي تسيرُ فيه بخطوٍ حثيثٍ.

والرَّأيُ أنَّ ما فعلَه الشيخُ ليس بكافٍ لتحقيقِ ما نظنُّه مرادَه، وأنَّ على مَن بَقُوا بعدَه مِن أهلِ الدعوةِ أن يُتمُّوا ما بدأَه، بأفعالٍ مدروسةٍ شرعًا وسياسةً.

ونحن إن كنَّا غيرَ موافقين للشيخِ -رحمه الله- في اجتهادِه، فإننا في ذلك نراعي المصالحَ المعتبرةَ شرعًا، مِن حقنٍ لدماءِ المسلمين، وحِفظًا للدعوةِ الناشئةِ، ومنعًا لحماسَ من أن تجدَ ما تبرِّرُ به إجرامَها الذي قد عزمَت عليه؛ فما تبرِّرُ به حماس قد يقلِّلُ مِن سخط الناس عليها -وهيهات أن يُذهبَ السخط كلَّه-، وقد يجعلُ للشيخِ -في نظر الناسِ- كِفلًا من التسبُّبِ فيما حصل. فأقول: إنما بنينا موقفنا على هذا، لا على كونِ حماس لها سلطانٌ شرعيٌّ لا يجوز إحداثُ غيرِه، فأنَّى لسلطانٍ لا يقومُ على تحكيمِ الشريعةِ أن يكون له وزنٌ في الشريعةِ، والسمعُ والطاعةُ للمتغلِّبِ إنما يكون إن اتخذ الشريعةَ دستورًا يرجعُ إليه في الأصلِ، ولو شابَ هذا الرجوعَ ظلمٌ وتقصيرٌ هو مِن جنسِ المعاصي، أو تدرَّج صاحبُه -حسب استطاعتِه- في تطبيقِ بعضِ الحدودِ أو منعِ بعضِ المخالفاتِ ونحو ذلك، وأما التحاكمُ إلى الدستورِ الوضعيِّ وإلزامُ الناسِ بقوانينِه وتركُ الشريعةِ، فلا ولايةَ شرعية لصاحبِه وإن كانَ في ذلك متأولًا، فتأولُه عذرٌ قد يمنعُ عنه الكفرَ والمؤاخذةَ، ولكنَّه لا يصحِّحُ ولايتَه شرعًا، لعدمِ المقصودِ منها، وهو القيام بالتوحيدِ وإقامةُ الشرع. وكما تسقطُ طاعتُه - في الأمرِ- إذا أمر بما يخالف الشرعَ، فإن ولايتَه تسقطُ لو كان مرجعُه غيرَ الشرعِ، وهذا هو مدلول الإيماءِ في قولِه تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ، وهم العلماءُ لأنَّهم أهلُ فهمِ الشرعِ، والأمراءُ لأنَّهم أهلُ تطبيقِه، وهو مفهوم الشرط في الحديث:"اسمعوا وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله"وفي الحديث: "ما أقاموا فيكم الدين". وهذا هو ما دعا الشيخُ أبو النور رحمه الله حماس إليه، إلى تحكيمِ الشريعةِ ليسمع لها ويطيع، وقال إنه وإخوانَه سيكونون خُدَّامًا لها حينذاك؛ فأبَت إلا قِتالَه لتئدَ دعوتَه السلفيةَ المتناميةَ."

الوقفةُ الثانيةُ: مع ما دعا إليه الشيخُ، وأذكرُه ليضعَه الإخوةُ نصبَ أعينِهم، فإنَّ الشيخَ -رحمه الله- كما عرفنا عنه مِن شهاداتِ مَن عرفَه، وكما سمعنا مِنه في خطبتِه الأخيرةِ، وكما سمعنا من إخوانِه في جماعة جند أنصار اللهِ، وكما صرحوا مرارًا في بياناتِهم، إنَّه لم يكن يُكفِّرُ المنتسبين إلى حماسَ فضلا عن تكفير عامَّةِ الشَّعبِ، ولم تكن دعوتُه الاقتتال مع حماس، ولا البداءةُ معهم في حربٍ، بل كان همُّه نشرُ دعوتِه بالحجةِ والبرهانِ، وهو ما كان، حتى انتشرَت دعوتُه وأحبَّه الناسُ؛ فلم ترَ حماسُ سبيلًا إلى منعِه إلا القوةَ، فأنَّى لمنهجها الزائفِ المتهافتِ المصطنعِ أن يقفَ في ميدان الحجةِ نِدًّا لما يدعو إليه الشيخُ السلفيُّ؟ فكان أن رأت حماسُ -وحتفُها فيما رأت- أن تمنعه بالقوةِ مِن الدعوةِ إلى اللهِ لئلا تزاحمَ حركتَهم دعوةٌ، فأرسلَت إليه وكان ما كان مما رأينا .. فينبغي التنبُّه إلى أنَّ إعلان الشيخِ الإمارةَ إنما هو مبرِّرٌ وذريعة لقتالِه، وأما سببُ القتالِ: فهو دعوتُه التي انتشرَت وحجَّتُه التي انتصرَتْ، وإلا فهل كان الشيخُ معلنًا لإمارةٍ لما أرسلوا إليه يريدون أخذَ مسجدِه؟ وهل كانت جماعة جند الله قد بايعت إمارةً لما أخذت حماسُ عتادها الذي تقاتِل به اليهود ثم حاولت أسر أبي عبد الله المهاجر لتسليمِه للمصريين؟ وهل أبو حفصٍ أميرُ جيش الأمةِ قد أعلن إمارةً أو بايعَ أميرًا؟ وهل مئات الشبابِ الذين تطاردُهم حماسُ وتأسرُهم وتعذبُهم -ويطلق جلاوزتها النارَ على مفاصل ركبهم وأكتافهم تنكيلًا- قد أعلنوا أو بايعوا إمارةً؟ الأمرُ بيِّنٌ لغيرِ مَن أعماه هواه.

فالذي يُجزَمُ به وهو ظاهرٌ لقاصدِ الحقِّ مريدِ الإنصاف: أنَّ حماسَ تكذبُ إذ تدَّعي أن الشيخَ وجماعةَ الجند يكفرونَ المنتسبين إليها، أو يدعون لقتالِها ابتداءً، أو تركوا قتال اليهودِ بحجةِ كفرِ حماس أو كفرِ عامةِ أهل غزة، أو أنَّ هؤلاء يفجرون الأعراسَ ومحالَّ الفسادِ، وقد كان الأميرُ أبو عبدُ الله المهاجر -تقبله الله- مثلَ شيخِه: ينهى عن ذلك، ويردُّ مَن يثير تلك المسائلَ ولا يقبلُه في تنظيمِه، فما هذه التهمُ إلا تَكرارٌ لأكاذيبَ يقتفون فيها سنةَ فرعون وكلَِّ طاغيةٍ (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يُظهِر في الأرضِ الفسادَ) .

قال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) ، وما نالَ الشيخَ مِن تشويهٍ، نال من قبلِه دعاةَ التوحيدِ الأنبياءَ وورثتَهم، وهي سنةُ أهلِ الضلالةِ إذا أعيتْهم الحججُ الغالبةُ وليسَت ابتداعًا مِن حماس، وهو أحدُ أنواعِ الأذى التي تنالُ دعاةِ التوحيدِ من الكفَّارِ والمبتدعةِ والجهلةِ وسائرِ المخالفين، وقد قلتُ في حاشيةٍ على الأصول الثلاثة: والأذى للداعيةِ يكونُ مِن المخالفين والجهلةِ على أنواع، فمِنه:

1 -إخراجُه مِن بلدِه ومُطاردتُه في الأرضِ، كما في حديثِ عائشةَ المتقدِّمِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لورقةَ: (أومُخرِجِيَّ هُم؟) قال: نعم.

2 -قذفُه ورميُه بالكذب والتُّهَم الباطلةِ، قال تعالى: (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) [ص 4] ، وقال: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر 26] .

3 -رميُه بالجنون والاستهزاءُ به، قال تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الحجر 11] ، وقال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [الذاريات 52 - 53] ، وقال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ) [الزخرف 47] .

4 -تسليط الظَّلمةِ عليه، قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف 127] .

5 -قتالُه، وتقدَّم قولُ فِرعون، وقال تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [البقرة 217] .

6 -تعذيبُه وقَتلُه ليرتَدَّ عن دينِه، فعن خباب - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (لقد كان مَن كان قبلَكم يُحفَرُ له حفرةٌ، ويجاءُ بالمِنشارِ فيوضَعُ على رأسِه؛ فيُشَقُّ، ما يَصرِفُه عَن دينِه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دُونَ عَظمِه مِن لحمٍ أو عصبٍ، ما يَصرِفُه عَن دينِه. ولَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ مِن صنعاءَ إلى حَضرَمَوتَ لا يخشى إلا اللهَ والذِّئبَ على غَنَمِه، ولكنَّكم تَعجلون) رواه أحمد وابن حبان. وروى مسلم: في قِصَّةِ الغلامِ والملكِ والرَّاهبِ، أنَّ الملكَ جاء بالرَّاهبِ وجليسِ الملكِ فقال لكلٍّ مِنهما: ارجع عن دينك، فأبى؛ فوضع المئشارَ في مفرِقِ رأسِه؛ فشقَّه، حتى وقَعَ شِقَّاه ... الحديث. وفي آخرِه: أنَّ الناسَ آمنوا، فأمر الملكُ بالأخدودِ أن تضرمَ فيها النيران، وقال: مَن لم يرجع عن دينِه فأحمُوه فيها؛ ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبيُّ لها، فتقاعَسَت أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري؛ فإنَّك على الحقِّ. مختصرةٌ مِن حديثِ صهيب - رضي الله عنه -.

7 -تكذيبُه، وهو أصلُ الأذى، قال تعالى: (لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) [الأنعام 34] . اهـ النقل.

[وبعضُ مَن لم يتبصَّرْ في سبُلِ هؤلاء يستغربُ أن يكونَ أبناءُ القسَّامِ الذين يقاتلونَ اليهودَ بهذا الإجرامِ في قتالِهم للمسلمين، ولكنَّ مَن عرَف كيف يربِّي الإخوان المسلمون أتباعَهم لم يستغرب ذلك؛ ولم يستغرب كيف يجدُ كثيرًا مِنهم يحبُّون الخميني وحسن نصر الله .. فإنَّهم يربونهم على (النفسية الإخوانية) شديدةِ التعصُّبِ للجماعةِ، المتعاليةِ على المخالفين، المحتقرةِ للسلفيين (أصحاب الفقه البدوي والنظرة الضيقة .. إلخ) ، ومِن أهمِّ ما يُرَبَّون عليه: مطلق السمع والطاعة لقادتِهم، وقبولُهم لما يلقونَه عليهم، وعدم مناقشتهم في شيء، مع كون أكثر أولئك القادة من الجهلةِ وليسوا من طلبةِ العلم الشرعيِّ الذين يشرع للعاميِّ تقليدهم، وهذه سمةُ تيار الإخوان: يقودُهم جُهَّالُهم ويتصدَّرون فيهم بدعوى أنَّهم"مفكِّرون"و"سياسيون".

فأقول: إنَّ شبابًا هذه سماتُهم، يسهلُ على قادتِهم"تعبئتُهم"وإيغارُ صدورِهم على إخوانِهم بأوهى الحُجَجِ، مستغلين"القول الهدية"وما شابهه من الكتاباتِ، واندفاعَ بعضِ الإخوةِ وأخطاءهم، بل ويلفقون لهم بعض الأعمال التي فيها تجاوزات شرعية؛ ينسبونَ هذا كلَّه إلى التيار السلفيِّ والجماعاتِ السلفيةِ والمشايخِ السلفيين، والمسكين يصدِّقُ ولا يفرِّقُ، ولو جئتَه بألفِ آيةٍ على براءةِ المنهجِ السلفيِّ وأهلِه من تلك الأمور -وأنَّها بين فريةٍ ملفقةٍ وشذوذٍ ينكرُه أكثرُنا- لما آمنَ لك؛ فيكون السلفيون في ذهنِه خطرًا على"المشروعِ الإسلاميِّ"، و"يخدمون العلمانيين"و"عملاء لهم"، وخوارج تكفيريين؛ فيصبح القساميُّ بذلك ذلك المجرمَ الذي رأيناه في"الصبرة"وفي"رفح"؛ يعدم المصابين، ويقصف الجامع، ويشتم المجاهدين والمشايخ بأقبح الألفاظ، ويعتقل الموحدين، ويعذِّب المجاهدين، محتسبًا ذلك عند ربِّ العالمين! .. (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) ] .

الوقفة الثالثة: مع المطفِّفين، الذين كتبوا واتهموا المجاهدين السلفيين في العراقِ بالغلوِّ وسفكِ الدماءِ والغرور والتفرُّدِ بالرأيِ ... إلخ، لما أعلنوا دولةً تحكم بالكتاب والسنة، ولما قتلوا بعض العملاء المتعاونين مع الصليبيين مِن المنتسبين إلى جماعاتٍ مقاتلةٍ، أينكم أيُّها المطففون مِن دماء إخواننا أبي النور ومن معه التي أراقتْها حماسُ بلا شبهة ولا دافعَ إلا التجبُّر والظلم؟ ليتكم إذ فارقكم الإنصافُ سكتُّم، ولكنَّكم إذ ركبكم الهوى برَّرتُم لحماسَ ولمزتُم إخوانَنا، (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون) ، اعلموا أنّكم بهذا تعينون الظالمَ على ظلمِه ولا تطفئون الفتن، فإنَّ حماسَ بأمثالكم تتجرأ على مزيدٍ من الدماءِ، وباستغفالِكم تتقوى وتحسِّن صورتَها، فهذه نصيحة محب لبعضكم مشفقٍ عليكم: دعوا ما لا تحسنون، واعلموا أنَّ السدادَ في مثل هذه المسائل ليس بالعلمِ وحدَه؛ فإنَّ له شروطًا من فقد أحدَها عزَّ عليه السدادُ وإن حققَ بعضَها: العلمُ، والإنصافُ، والحكمةُ، والتجربةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت