لشرائط التفسير، وهذا هو المذموم المنهي عنه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد (2069) ,والترمذي (2951) وحسنه, والنسائي في الكبرى (8085) -واللفظ له- عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار"وهو الذى يرمى إليه كلام ابن مسعود إذ يقول:"ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع".
وكلام عمر إذ يقول:"إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأوَّل القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس المُلْك على أخيه"، وكلامه إذ يقول:"ما أخاف على هذه الأُمَّة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بَيِّن فسقه، ولكنى أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوَّله على غير تأويله". وما تفرقت الأمة وخرجت الخوارج وغلاة الشيعة إلا بسبب تأويل القرآن على غير وجهه. فكل هذا الذم وارد في حق مَن لا يُراعى في تفسير القرآن قوانين اللغة ولا أدلة الشريعة، جاعلًا هواه رائده، ومذهبه قائده، وهذا هو الذي يُحمل عليه كلام المانعين للتفسير بالرأى.
وقد قال ابن كثير - بعد أن ساق الآثار عَمَّن تحرَّج من السَلَف من القول في التفسير: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السَلَف، محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما مَن تكلَّم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حَرَج عليه، ولهذا رُوِى عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلِّموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، هذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سُئِل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] .. ولما جاء في الحديث الذي روي من طرق:"مَنْ سُئِلَ عن علم فكتمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار" [1] .
وبذلك قد علمنا أن التفسير بالرأى قسمان: قسم مذموم غير جائز، وقسم ممدوح جائز، وتبين لنا أن القسم الجائز محدود بحدود، ومقيَّد بقيود [2] .
التفسير الإشاري هو تأويل القرآن على خلاف ظاهره ,لإشارات خفية تظهر لبعض أولي العلم أو العارفين بالله ممَّن نور الله بصائرهم فأدركوا أسرار القرآن العظيم, أو انقدحت في أذهانهم بعض المعاني الدقيقة بواسطة الفتح الرباني, مع
(1) 1 - صحيح: رواه أحمد (7561) والترمذي (2649) وحسنه, وأبو داود (3658) وغيرهم
(2) 2 - د. الذهبي/التفسير والمفسرون (1/ 189) , وانظر مقدمة تفسير ابن كثير (1/ 10 وما بعدها) ومقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص:31 - 32