للأصوليين في تعريف التقليد عبارات مختلفة، إلا أن أكثرها متقاربة المعنى، وقد اخترت ثلاثةً من هذه التعاريف، وأرجعت إليها بقية التعاريف، مع اختيار أمثلها في نظري.
التعريف الأول:
عرف الآمدي التقليد بأنه: العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة [1] .
والمراد بـ"العمل بقول الغير": اعتقاد صحة قوله، وتنفيذه، وهو مراد من عرف التقليد"بقبول قول الغير"؛ فإن القبول يستلزم الاعتقاد، ويفضي إلى العمل والتنفيذ، والمراد بـ (القول) ما يشمل الفعل والتقرير، وإطلاق القول حينئذ من باب التغليب، وهذا ما فسّره به سعد الدين التفتازاني في حاشيته على شرح القاضي عضد الدين، وتابعه عليه البنائي في حاشية على جمع الجوامع.
وقد استشكل الشربيني في تقريره هذا التعميم، بأن الفعل والتقرير لا يظهر جواز العمل بمجردهما من المجتهد لجواز سهوه وغفلته، وإنما يعوّل على الفعل والتقرير الواقعين من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكن ذلك ليس بتقليد بل استدلال، ثم أورد اعتراضًا بأنه قد يقترن التقرير بما يدل على الرضا بالفعل وعدم الغفلة، ودفعه بأنه يجوز أنه قد رضيه لكونه مذهب غيره وقلده فيه، فلا يكون من اجتهاده ورأيه.
والمراد بالحجة: ما يجب العمل به ويلزم، والمراد بها الحجة العامة، وهي الدليل المعتبر شرعًا لإثبات الأحكام: كالكتاب، أو السنة، أو الإجماع.
والتقييد بالإلزام في التعريف تصريح بمفهوم الحجة أو بلازمها، فهو وصف كاشف وليس قيدًا فيها.
والعمل بقول الغير من غير حجة تقوم على وجوب العمل به، يخرج عن حقيقة التقليد ما يأتي:
(1) - انظر الإحكام للآمدي جـ 4 ص 221.