وجهاد الدفع تشترط له القدرة كما تشترط لجهاد الطلب، من أجل ذلك شرع الصلح، ولولاه لرخص في إفناء النفوس جميعًا دفعًا للعدو، ومن مقاصد الجهاد: حفظ النفوس لا إفنائها (1) .
قال محمد رشيد رضا في تفسيره لقول المولى جل وعلا في محكم آياته {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ اوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } ما يلي نصه: ـ
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي حُكْمِ قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَهِيَ تَمْهِيدٌ لِلْكَلَامِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالشَّامِ، وَالْخُرُوجِ إليها فِي زَمَنِ الْعُسْرَةِ وَالْقَيْظِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ فَضِيحَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَهَتْكِ الْأَسْتَارِ عَنْ إِسْرَارِهِمْ لِلْكُفْرِ، وَمِنْ تَمْحِيصِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُقَاتِلِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِيهَا الرُّومَ الَّذِينَ خَرَجَ لِقِتَالِهِمْ بِسَبَبِهِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْدُ، وَإِنَّمَا حِكْمَةُ وُقُوعِ ذَلِكَ بِبَيَانِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَالتَّنْزِيلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مِمَّنْ كَانَتْ تَقَعُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الإسلام قَبْلَ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ قِتَالِ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ أَمَرَهُ (تعالى) بِجِهَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ (8: 39) وَأُنْزِلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: قَاتِلُوا الَّذِينَ