والواقع أن جابوتنسكي استمدّ عناصر فلسفته الإرهابية- العدوانية من عقيدة العنصرية والكراهية والتطرف، التي زرعها أحبارُهم في كلّ عبارة من عبارات"التوراة"و"التلمود"ومن الروح"الجيتوية"الحاقدة على الشعوب المتحضّرة المنفتحة، وأيضًا من تحزّبه الصريح للفاشية الإيطالية، التي عايشها زمنًا (في إيطاليا) إبان صعود الفاشية واستيلائها على السلطة. وقد عبّر عن هذه النزعة من خلال جملة من المقالات والخُطب النارية، كمقالة"الإنسان ذئب الإنسان"وفكرة البيتار (أو البيطار) و"عرض تاريخ اليهود"حيث يبشّر بالعرقية الشوفينية، مؤكدًا أن اليهود، وليس غيرهم، هم العرق المتفوّق على الأعراق والأمم كلها.
إنّ أهميّة جابوتنسكي في الحقيقة تتمثّل في طرحه لصهيونية عارية، بلا تجميل أو"رتوش"عناصرها ومقوماتها هي المرتكزات الجوهرية للصهيونية في مجموعها، برغم كل الصراعات الظاهرة والعنيفة التي فرّقت بينه وبين الأحزاب الأخرى، وخصوصًا الصهيونية العمّالية والاشتراكية. وهو لا يخفي مصادر فلسفته أو يزيّفها، فلا هي من ماركس ولا إنجلز ولا هيغل، ولا من الحركة الاشتراكية أو الفكر الليبرالي، بل من أسفار"التوراة"وكتب التلمود، ومن موسوليني والنازية. ففلسفته المتطرفة تتغذّى مباشرة وبلا مواربة من المنابع المسمومة، التي عاشت عليها أحياء اليهود المنعزلة، الحاقدة، ومن الأيديولوجيات القومية- الفاشية، التي سيطرت على أوروبا في العقود الأربعة الأولى من القرن الحالي.
وكان أشمير Achmeir مُنظّر"الحركة الصهيونية التنقيحية"في فلسطين يرى أن موسوليني أكبر عبقرية سياسية عرفها عصره.
وجاراه في هذه النزعة الفاشية"شاعر الصهيونية التنقيحية"زفي جرنبرج، الذي كان يرى في الحركة الاشتراكية العالمية العدو الأكبر، وأعلن صراحة أن كل نظام جديد في التاريخ ثبت نفسه انطلاقًا من تدمير أعدائه، ومعيار التغيير الوحيد هو كمية الدم المراق (44) .