الصفحة 25 من 46

ثالثا: أن وقوع الحصر مقرونا بالفاء في موقع الجزاء يراد به الأمر كما في قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي: فليصم.

وكما في قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي: فليحرر.

فيكون تقديره - والله أعلم: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فارهنوا وارتهنوا [1] .

رابعا: أنه لما كان الأمر حقيقة في الوجوب إلا أنه مصروف عن معناه الحقيقي الذي هو الوجوب - إي: الإباحة - للإجماع على عدم وجوبه على الرهن وعدم وجوب قبوله من المرتهن وجب أن ينصرف الوجوب إلى شرطه - وهو: القبض- كما في قوله - صلى الله عليه وسلم:"الحنطة بالحنطة مثلا بمثل"أي: بيعوا الحنطة ... إلخ الحديث.

إلا أن البيع ليس واجبا فانصرف الوجوب إلى شرطه وهو المماثلة في الأموال الربوية فكذا يكون هنا [2] .

وأما المعقول: فقالوا:

1 -إن عقد الرهن عقد تبرع؛ لأن الإنسان لا يجبر عليه، فلا يتعلق به الاستحقاق إلا لمعنى آخر ينضم إليه وهو: القبض كما في الوصية، فلا يصح الرهن غير مقبوض [3] .

ألا ترى أنه لو مات الراهن قبل القبض فإن الورثة لا يجبرون على القبض، ولو كان الاستحقاق متعلقا بالعقد نفسه مجردا عن انضمام شيء آخر له للزوم الورثة الإقباض كالبيع [4] .

2 -إنه من ناحية المعنى الذي شرع لأجله الرهن وهو الاستيثاق فإن هذا المعنى لا يتحقق إلا بالقبض ولو صح غير مقبوض لفات غرض الاستيثاق ولكان المرتهن هو وسائر الغرماء سواء. وقد جعل الرهن وثيقة؛ ليكون حبوسا في يده بدينه فيكون ند الموت أو الإفلاس أو الاستحقاق أحق به من سائر الدائنين، فأما إذا لم يكن مقبوضا فإن هذه الغاية من تشريع الرهن لا تتحقق إذ يكون المرتهن وسائر الغرماء سواء.

ونظير ذلك .. المبيع فإنه يكون محبوسا بالثمن ما دام في يد البائع وهو أحق به، فإن سلمه إلى المشترى سقط حقه في التقدم وأصبح هو وسائر الغرماء سواء [5] .

وأرى - والله أعلم - أن هذا القول هو الأولى بالقبول والترجيح إذ أنه يحقق الغاية التي شرع من أجلها الرهن وهو الاستيثاق.

واستدل أصحاب القول الثالث الذين قالوا بأن القبض شرط كمال ويجبر الراهن على التسليم بالكتاب والمعقول:

أما الكتاب:

فقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [6] .

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (3/ 307) ، تحفة الفقهاء: (3/ 50) .

(2) اللباب: (2/ 54) ، الدر المختار: (5/ 340) وما بعدها، العناية على الهداية: (10/ 137) ، مجمع الأنهر ملتقى الأبحر: (2/ 584، 585) .

(3) بدائع الصنائع: (6/ 137) ، مجمع الأنهر: (2/ 584، 585) .

(4) الهداية وتكملة فتح القدير: (10/ 138) .

(5) المراجع السابقة في 1، 2.

(6) سورة البقرة: من الآية 283.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت