الصفحة 30 من 85

الكوفيين فيه أضعف، ويشبه أن يكون هذا كله من الرأي المحدث الذي علم به من عابه من السلف، وأما ما مضت به السنة والعمل فهو العدل.

ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة؛ فإن المؤاجرة مخاطرة، والمستأجر قد ينتفع وقد لا ينتفع، بخلاف المساقاة والمزارعة، فإنهما يشتركان في الغنم والغرم، فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما في المؤاجرة.

وأما العبادات فإن أصل الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، فإن الله سبحانه في سورة الأنعام والأعراف عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله، وأنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، كما قال ابن عباس: إذا أردت أن تعرف جهل العرب فاقرأ من قوله: {وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ} [الأنعام 136] . الآية ; وذلك أن الله ذم المشركين على ما ابتدعوه من تحريم الحرث والأنعام، وما ابتدعوه من الشرك، وذمهم على احتجاجهم على بدعهم بالقدر، قال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام 148] . الآية. وفي الصحيح عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) وذكر في سورة الأعراف ما حرموه وما شرعوه، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} [الأعراف 33] . الآية وقال: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف 29] . الآية فبين لهم ما أمرهم به، وما حرمه هو، وقال ذمًا لهم: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى 21] . الآية. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.

والمقصود أنه ليس لأحد أن يحرم إلا ما جاءت الشريعة بتحريمه، وإلا فالأصل عدم التحريم. سواء في ذلك الأعيان والأفعال، وليس له أن يشرع دينًا واجبًا أو مستحبًا ما لم يقم دليل شرعي على وجوبه واستحبابه.

إذا عرف هذا فأهل المدينة أعظم الناس اعتصامًا بهذا الأصل ; فإنهم أشد أهل المدائن الإسلامية كراهية للبدع، وقد نبهنا على ما حرمه غيرهم من الأعيان والمعاملات، وهم لا يحرمونه.

وأما الدين فهم أشد أهل المدائن اتباعًا للعبادات الشرعية، وأبعدهم عن العبادات البدعية. ونظائر هذا كثيرة.

منها أن طائفة من الكوفيين وغيرهم استحبوا للمتوضئ والمغتسل والمصلي ونحوهم أن يتلفظوا بالنية في هذه العبادات، وقالوا: إن التلفظ بها أقوى من مجرد قصدها بالقصد، وإن كان التلفظ بها لم يوجبه أحد من الأئمة. وأهل المدينة لم يستحبوا شيئًا من ذلك وهذا هو الصواب. ولأصحاب أحمد وجهان ; وذلك أن هذه بدعة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، بل كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ولا يقول قبل التكبير شيئًا من هذه الألفاظ، كذلك في تعليمه للصحابة إنما علمهم الافتتاح بالتكبير، فهذه بدعة في الشرع، وهي أيضًا غلط في القصد، فإن القصد إلى الفعل أمر ضروري في النفس، فالتلفظ به من باب العبث، كتلفظ الآكل بنية الأكل ; والشارب بنية الشرب ; والناكح بنية النكاح؛ والمسافر بنية السفر ; وأمثال ذلك.

ومن ذلك صفات العبادات فإن مالكًا وأهل المدينة لا يجوزون تغيير صفة العبادة المشروعة فلا يفتتح الصلاة بغير التكبير المشروع، وهو قول الله أكبر كما أن هذا التكبير هو المشروع في الأذان والأعياد، ولا يجوزون أن يقرأ القرآن بغير العربية، ولا يجوزون أن يعدل عن المقصود المنصوص في الزكاة إلى ما يختار المالك من الأموال بالقيمة، وهم في مواقيت الصلاة أتبع للسنة من أهل الكوفة، حيث يستحبون تقديم الفجر والعصر، ويجعلون وقت العصر إذا صار ظل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت