كثيرة. وهذه علوم التفسير والحديث والفتيا وغيرها من العلوم، لم يعلم أن الناس أخذوا عن العمري الزاهد منها ما يذكر فكيف يقرن هذا بمالك في العلم ورحلة الناس إليه؟.
ثم هذه كتب الصحيح التي أجل ما فيها كتاب البخاري أول ما يستفتح الباب بحديث مالك وإن كان في الباب شيء من حديث مالك لا يقدم على حديثه غيره ونحن نعلم أن الناس ضربوا أكباد الإبل في طلب العلم فلم يجدوا عالمًا أعلم من مالك في وقته.
والناس كلهم مع مالك وأهل المدينة: إما موافق، وإما منازع فالموافق لهم عضد ونصير والمنازع لهم معظم لهم مبجل لهم عارف بمقدارهم.
وما تجد من يستخف بأقوالهم ومذاهبهم إلا من ليس معدودًا من أئمة العلم وذلك لعلمهم أن مالكًا هو القائم بمذهب أهل المدينة.
وهو أظهر عند الخاصة والعامة من رجحان مذهب أهل المدينة على سائر الأمصار، فإن موطأه مشحون: إما بحديث أهل المدينة، وإما بما اجتمع عليه أهل المدينة: إما قديمًا، وإما حديثًا، وإما مسألة تنازع فيها أهل المدينة وغيرهم فيختار فيها قولا ويقول: هذا أحسن ما سمعت.
فأما بآثار معروفة عند علماء المدينة ولو قدر أنه كان في الأزمان المتقدمة من هو أتبع لمذهب أهل المدينة من مالك فقد انقطع ذلك.
ولسنا ننكر أن من الناس من أنكر على مالك مخالفته أولا لأحاديثهم في بعض المسائل كما يذكر عن عبد العزيز الدراوردي أنه قال له في مسألة تقدير المهر بنصاب السرقة: تعرقت يا أبا عبد الله أي: صرت فيها إلى قول أهل العراق الذين يقدرون أقل المهر بنصاب السرقة لكن النصاب عند أبي حنيفة وأصحابه عشرة دراهم.
وأما مالك والشافعي وأحمد فالنصاب عندهم ثلاثة دراهم، أو ربع دينار كما جاءت بذلك الأحاديث الصحاح. فيقال: أولا: أن مثل هذه الحكاية تدل على ضعف أقاويل أهل العراق عند أهل المدينة، وإنهم كانوا يكرهون للرجل أن يوافقهم وهذا مشهور عندهم يعيبون الرجل بذلك كما قال ابن عمر لما استفتاه عن دم البعوض وكما قال ابن المسيب لربيعة لما سأله عن عقل أصابع المرأة.
وأما ثانيًا: فمثل هذا في قول مالك قليل جدا وما من عالم إلا وله ما يرد عليه وما أحسن ما قال ابن خويز منداد في مسألة بيع كتب الرأي والإجارة عليها: لا فرق عندنا بين رأي صاحبنا مالك وغيره في هذا الحكم، لكنه أقل خطأ من غيره.
وأما الحديث فأكثره نجد مالكا قد قال به في إحدى الروايتين وإنما تركه طائفة من أصحابه كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.
وأهل المدينة رووا عن مالك الرفع موافقًا للحديث الصحيح الذي رواه، لكن ابن القاسم ونحوه من البصريين هم الذين قالوا بالرواية الأولى ومعلوم أن مدونة ابن القاسم أصلها مسائل أسد بن الفرات التي فرعها أهل العراق ثم سأل عنها أسد ابن القاسم. فأجابه بالنقل عن مالك وتارة بالقياس على قوله ثم أصلها في رواية سحنون فلهذا يقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى أقوال أهل العراق وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة.
ثم اتفق أنه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس وكان يحيى بن يحيى عامل الأندلس والولاة يستشيرونه فكانوا يأمرون القضاة أن لا يقضوا إلا بروايته عن مالك ثم رواية غيره فانتشرت رواية ابن القاسم عن مالك لأجل من عمل بها وقد تكون مرجوحة في المذهب وعمل أهل المدينة والسنة حتى صاروا يتركون رواية الموطأ الذي هو متواتر عن مالك وما زال يحدث به إلى أن مات لرواية ابن القاسم وإن كان طائفة من أئمة المالكية أنكروا ذلك فمثل هذا أن كان فيه عيب فإنما هو على من نقل ذلك لا على مالك ويمكن المتبع لمذهبه أن يتبع السنة في عامة الأمور، إذ