الصفحة 19 من 85

وكتب لعمرو بن حزم كتابًا قالوا: وكان النهي أولًا خوفًا من اشتباه القرآن بغيره ثم أذن لما أمن ذلك فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكتبون وكتبوا أيضًا غيره.

ولم يكونوا يصنفون ذلك في كتب مصنفة إلى زمن تابع التابعين فصنف العلم فأول من صنف ابن جريج شيئًا في التفسير وشيئًا في الأموات.

وصنف سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة ومعمر وأمثال هؤلاء يصنفون ما في الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين.

وهذه هي كانت كتب الفقه والعلم والأصول والفروع بعد القرآن فصنف مالك الموطأ على هذه الطريقة. وصنف بعد عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وغير هؤلاء فهذه الكتب التي كانوا يعدونها في ذلك الزمان هي التي أشار إليها الشافعي - رحمه الله - فقال: ليس بعد القرآن كتاب أكثر صوابًا من موطأ مالك فإن حديثه أصح من حديث نظرائه وكذلك الإمام أحمد لما سئل عن حديث مالك ورأيه وحديث غيره ورأيهم؟ رجح حديث مالك ورأيه على حديث أولئك ورأيهم.

وهذا يصدق الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة) .

فقد روي عن غير واحد كابن جريج وابن عيينة وغيرهما أنهم قالوا: هو مالك. والذين نازعوا في هذا لهم مأخذان: أحدهما: الطعن في الحديث فزعم بعضهم أن فيه انقطاعًا.

والثاني: أنه أراد غير مالك كالعمري الزاهد ونحوه. فيقال: ما دل عليه الحديث وأنه مالك أمر متقرر لمن كان موجودا وبالتواتر لمن كان غائبا، فإنه لا ريب أنه لم يكن في عصر مالك أحد ضرب إليه الناس أكباد الإبل أكثر من مالك.

وهذا يقرر بوجهين: أحدهما: بطلب تقديمه على مثل الثوري والأوزاعي والليث وأبي حنيفة وهذا فيه نزاع ولا حاجة إليه في هذا المقام. والثاني: أن يقال: أن مالكا تأخر موته عن هؤلاء كلهم فإنه توفي سنة تسع وسبعين ومائة وهؤلاء كلهم ماتوا قبل ذلك. فمعلوم أنه بعد موت هؤلاء لم يكن في الأمة أعلم من مالك في ذلك العصر وهذا لا ينازع فيه أحد من المسلمين ولا رحل إلى أحد من علماء المدينة ما رحل إلى مالك لا قبله ولا بعده رحل إليه من المشرق والمغرب ورحل إليه الناس على اختلاف طبقاتهم من العلماء والزهاد والملوك والعامة. وانتشر موطؤه في الأرض حتى لا يعرف في ذلك العصر كتاب بعد القرآن كان أكثر انتشارًا من الموطأ وأخذ الموطأ عنه أهل الحجاز والشام والعراق ومن أصغر من أخذ عنه الشافعي ومحمد بن الحسن وأمثالهما وكان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك والحجازيين تمتلئ داره وإذا حدث عن أهل العراق يقل الناس لعلمهم بأن علم مالك وأهل المدينة أصح وأثبت. وأجل من أخذ عنه الشافعي العلم اثنان مالك وابن عيينة.

ومعلوم عند كل أحد أن مالكًا أجل من ابن عيينة حتى إنه كان يقول: إني ومالك كما قال القائل:

وابن اللبون إذا ما لز في قرن ** لم يستطع صولة البزل القناعيس

ومن زعم أن الذي ضربت إليه أكباد الإبل في طلب العلم هو العمري الزاهد مع كونه كان رجلًا صالحًا زاهدًا آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر لم يعرف أن الناس احتاجوا إلى شيء من علمه، ولا رحلوا إليه فيه. وكان إذا أراد أمرًا يستشير مالكًا ويستفتيه كما نقل أنه استشاره لما كتب إليه من العراق أن يتولى الخلافة فقال: حتى أشاور مالكًا فلما استشاره أشار عليه أن لا يدخل في ذلك وأخبره أن هذا لا يتركه ولد العباس حتى تراق فيه دماء كثيرة وذكر له ما ذكره عمر بن عبد العزيز - لما قيل له: ولِ القاسم بن محمد - أن بني أمية لا يدعون هذا الأمر حتى تراق فيه دماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت