وقد جاء في «تذكرة البنيان» التي املاها المهندس سنان، حيث وصف رائعته بقوله (وترتفع المآذن الاربع عند اركان القبة الاربعة، ولكنها ليست غليظة كالبرج، مثلما هي الحال في مآذن «اوجه شرفلي» ولا يخفي بالطبع ما هناك من صعوبات تواجه بناء مآذن سامقة كمآذن السليمية، التي تضم كل منها في نفس الوقت ثلاثة سلالمات منعزلة، واذا كان قد شاع بين المهندسين المسيحيين القول بتفوقهم على المسلمين، لأنه لم تقم في العالم الاسلامي كله قبة تضارع او تنافس قبة ايا صوفيا، ربما يكون من الاعمال العسيرة، ولهذا قررت ـ مستعينا بالله ـ اقامة هذا المسجد، في عهد السلطان سليم خان، جاعلا قبته اعلى من آيا صوفيا بمقدار ستة اذرع، واعمق بمقدار اربعة اذرع) .
ولعل المهندس ميمار سنان قد استوحى هنا فكرة اقامة صرح عال او اعجوبة ضخمة، فالتخطيط الذي تضمن اقامة قبة على قاعدة مثمنة، ومحمولة على ثماني دعامات قوية لها سنادات طائرة، بلغ بها ابعد مراحل تطوره واصبح التخطيط المثمن ـ بعد ذلك هو الاسلوب المتبع في تشييد المساجد والقصور لسنوات عديدة.
عصر الفنون
وتستلفت الانظار مآذن المسجد الاربع، والتي تكون مع القبة وحدة واحدة يسودها الانسجام والتوافق، ويتدرج المبنى في ارتفاعه، اربع درجات واضحة، تستقر القبة في نهايتها في تناسق وانسجام، ويطغى على الواجهات نضج معماري وأناقة في النسب، وتفنن في عمل ميازيب المطر، وتعدد في ألوان الاحجار التي تدور حول النوافذ والجوانب الاخرى، مع التنوع في اشكال العقود.
ومسجد السليمية يعتبر دليلا على عصر انشائه، حيث كان اكثر العصور الاسلامية بريقا في مجال الفن المعماري بجانب الفنون الاخرى، فمنبر المسجد منحوت من قطعة حجرية واحدة، يفوق من حيث حجمه ورونقه وبراعة صنعه، كل المنابر التي صنعت على نسقه، والجدران المحيطة بالمحراب، وخلفية المنبر، قلنسوته المخروطية، وشراعات النوافذ السفلى، كل ذلك تغطيه البلاطات الخزفية ذات