إن العالم في بلاغه للناس يجب عليه أن يخوض في مجالس الناس ببلاغ الحق المجرد من غير خوض في مجالس المبطلين بالباطل، أو سماع الباطل من غير أمر ونهي، وهذا يختلف فيه العالم عن الجاهل باعتبار أن العالم يعلم العلم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بخلاف الجاهل الذي أمره الله جل وعلا ألا يقعد مع المبطلين، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140] ، والمراد من هذا عامة الناس الذين لا يكون لهم أمر ولا نهي، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدوته من العلماء فكانوا يخالطون الناس حتى في نواديهم، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحضر في نوادي المشركين في مكة، فيأمرهم عليه الصلاة والسلام بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ثم يغادر عليه الصلاة والسلام من تلك المجالس، ولذلك ينبغي للعالم أيضًا أن يحضر مجالس أهل الباطل لأن ذلك الحضور هو حضور بلاغ لا حضور استماع وتقرير، وأن يعلم الناس قدر هذا النوع، فالله جل وعلا الذي أنزل على رسوله عليه الصلاة والسلام البلاغ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67] ، أمر الله جل وعلا رسوله بالبلاغ، وأمره أيضًا بنهي الناس عن الخوض والقعود في مجالس المبطلين، وذلك أن خوض النبي عليه الصلاة والسلام في مجالس أهل الباطل يختلف عن خوض غيره ممن يعتبره أهل الباطل أنداء لهم، فلا يستمعون لقوله، وذلك أن خوض غيره خوض تقرير، ومجالسة وتأثر، أما خوض النبي عليه الصلاة والسلام فهو بلاغ وبيان وإقامة حجة، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادر بالحضور إلى مجالس الناس، وهذه المسألة تحتاج إلى بيان وتحرٍ، وذلك أن الأصل في العالم أنه على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن البلاغ يصل إلى الناس، وأن العالم هو الذي يأتي إلى مجالس