إن مراقبة الله سبحانه وتعالى في دقائق الأمور ملزمة للإنسان أن يراقبه في عظائمها، وكذلك فإن انصراف القلب لغير الله جل وعلا ربما لا يشعر به الإنسان إلا عند الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فإنه ربما يكون على القلب من الغشاوة، وكذلك يكون عليه من الران، وكذلك يكون عليه من الحجب ما لا يدرك معه الإنسان أنه انحرف عن الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الإنسان لقلبه تدرج يتدرج في عدم الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وهذا من مكائد الشيطان حتى ينصرف الإنسان بقلبه إلى غير الله، ويظن أنه قد انصرف لله سبحانه وتعالى، ولا يستيقظ العالم من سكرته إلا حين وقوفه مع الله، وهذا قد ظهر فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الإمام مسلم من حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا تعلم العلم فعلمه وقرأ القرآن، فيقال له: ماذا عملت به؟ فيقول: يا رب! تعلمت العلم وعلمته فيك، وقرأت القرآن. فيقال له: كذبت، إنما علمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب فيلقى في النار) .من تأمل هذا الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول ذلك الذي تعلم العلم يظن أنه لله، ويوم القيامة لا مجال للمخادعة والمكابرة، وإنما هي مكاشفة، فيتكلم الإنسان ظانًا أنه غلب عليه أنه أراد الله جل وعلا، فيقول: تعلمت العلم فيك، وبلغت فيك، وقرأت القرآن فيك. فيقال له: كذبت، يعني: أنه قد انطلى عليك شيء مما تدرجت فيه فانسقت، وظننت أنك بلغت الدين وعلمته لله جل وعلا، فيتفاجأ حينئذٍ أنه إنما انصرف إلى غير الله سبحانه وتعالى.