في الناس القول الشاذ وما بقي إلا القطعيات حينئذٍ ابتدروا إلى القطعيات, وطمس الإسلام، ولهذا ينبغي لأهل العلم إذا أخذوا بقواعد سد الذرائع أو فتحها أن يبينوا أصل الشريعة في ذلك، وأن فتح الذريعة في باب لا يعني تعطيلًا لنصوص الشريعة.
كذلك أيضًا ينبغي للعالم حال الإفتاء أن يتجرد لله عز وجل كما تقدم الإشارة إليه، وألا يغتر بكلام الناس في المباحات أو تعظيم المصالح ونحو ذلك، فنحن حينما نقرأ لكلام كثير من المعلقين على أحوال العمل في بلاد المسلمين الذين يدعون إلى الاختلاط فهم يتعللون فيقولون: إن نصف المجتمع معطل، وأن المرأة تعمل مع أخيها الرجل، وأن المرأة تكد، ويحتجون بقاعدة سد الذرائع أنها ربما تلجأ في ذلك إلى الفواحش والمحرمات، أو يلجئون للسرقة، وعمر بن الخطاب ترك القطع عام الرمادة ونحو ذلك، وهذا كأنه إغفال لجانب عظيم؛ أن الشارع رخص للمرأة من جهة الأصل بأن تعمل ما تشاء؛ لكن لا تخالف أمر ربها، كأن تختلط بالرجل وتخلو به، والأبواب المباحة في ذلك معلومة، ولهذا كن -حتى في الصدر الأول- يأتين إلى الأسواق ويشترين، والرجل يبيع، ولهذا يقول علي بن أبي طالب كما في المسند: إن نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق -يعني: الأعاجم- أما تغارون؟ إنه لا خير فيمن لا يغار، وهو ولي أمر المسلمين لكن ما منع من ذلك، ولهذا نجد مثلًا حينما يتكلم البعض يقول: لماذا المرأة لا تبيع في المحلات التجارية، وكيف الرجل الأجنبي يبيع للمرأة؟! وتعظم جوانب من المفاسد, وتظهر للناس من أناس هم من جهة الأصل لا يؤمنون بأمثال هذه المفاسد، ويرونها من جهة التحقيق مصالح، فينبغي للعالم والمفتي أن ينظر لمن يتكلم في أمثال هذا الكلام، وألا يجرد تلك المعاني عن قائلها، فيلحق القول بقائله، وكذلك ينظر إلى أبواب أخرى لا يبرزها القائل، فيتجرد في البحث والنظر والتنقيب في كثير من المصالح،