فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 194

الشريك المعادل لها بشكل حقيقي في الشؤون العالمية، أو أنها تفضل تحالفًا غير متعادل؟ وعلى س ـبيل المثال، فهل الولايات المتحدة مستعدة لمشاطرة أوروبا في الزعامة في الشرق الأوسط، الذي هو منطقة ليست أقرب جغرافيا إلى أوروبا من أميركا فحسب، بل هو أيضًا ذلك المكان الذي توجد فيه مصالح قائمة منذ زمن طويل لع دة دول أوروبية؟ وإن قضية إسرائيل تقفز فورًا إلى ال ـذهن هنا. وكذلك، فإن الخلافات الأميركية الأوروبية في شأن إيران والعراق كانت قد عوملت من قبل الولايات المتحدة بوصفها قضية مثارة بين أطراف متعادلة بل كمسألة تتسم بوجود أطراف يحتل بعضها منزلة أدنى من البعض الآخر.

والغموض في شأن درجة الدعم الأميركي للوحدة الأوروبية يمتد أيضًا إلى القضية المتعلقة بكيفية تعريف هذه الوحدة، ولا سيما بما يخص أي دولة، إذا وج ـدت، س ـوف تق ـود أوروب ـا الموحدة. وقد شجعت واشنطن موقف لندن السلبي إزاء توحيد أوروبا ب ـالرغم م ـن أنه ـا، أي واشنطن، أظهرت تفضي ًلا واضحًا للزعامة الألمانية، وليس الفرنسية، في أوروبا. وك ـان ذل ـك مفهوما في ضوء الاندفاع التقليدي للسياسة الفرنسية، ولكن كان للتفضيل تأثير في عدم ت ـشجيع الظهور في الوقت المناسب لوفاق تكتيكي فرنسي بريطاني يهدف إلى مقاومة ألمانيا، وفي ع ـدمالتشجيع أيضًا للغزل الفرنسي مع موسكو بغية مواجهة التحالف الأميركي الألماني.

إن ظهور أو ولادة أوروبا موحدة فع ًلا، ولاسيما إذا حدث ذلك بدعم أميركي َّ بن ـاء س ـوفيتطلب تغييرات هامة في بنية وأعمال حلف الأطلسي، وفي الرابط ـة الرئي ـسة ب ـين أميرك ـا وأوروبا. فالناتو لا يقدم آلية العمل ال رئيسة لممارسة النفوذ الأميركي المتعلق بالشؤون الأوروبية فحسب، بل يقدم أيضًا الأساس للوجود العسكري الأميركي الحرج على الصعيد ال ـسياسي ف ـي أوروبا الغربية. ومهما يكن الأمر، فإن الوحدة الأوروبية سوف تتطلب تلك البنية التي تتكّ يف مع الحقائق الجديدة لحلف يعتمد على طرفين متعادلين بدرجة أكبر أو أقل، عوضًا عن ذلك الحل ـف الذي يضم، إذا استعملنا تعابير تقليدية في هذا المجال، دولة مهيمنة ودو ًلا أخرى تابعة. كان ـت هذه القضية قد أغفلت إلى حد كبير حتى الآن، بالرغم من الخطوات المتواضعة التي اتخذت في العام 1996 لتحسين دور الاتحاد الأوروبي الغربي ضمن الناتو، ودور التحالف العسكري ب ـين الدول الأوروبية الغربية عمومًا. وهكذا، فإن الاختيار الحقيقي لأوروبا موحدة سوف ي ـستوجب إعادة تنظيم بعيدة المدى للناتو، مما سيضعف حتمًا السيادة الأميركية ضمن الحلف.

وباختصار، فإن الجيواستراتيجية الأميركية البعيدة الأمد لأوروبا سوف تخاطب على نح ـو واضح قضايا الوحدة الأوروبية والشراكة الحقيقية مع أوروبا. فالأميركي الذي يرغب فع ًلا ف ـي أوروبا الموحدة وبالتالي الأكثر استقلالية سوف يترتب عليه أن يرمي بثقله خلف تل ـك الق ـوات الأوروبية الملتزمة فع ًلا بالتكامل السياسي والا قتصادي لأوروبا. وإن مثل ه ـذه الاس ـتراتيجية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت