أباح من متع الدنيا وملذاتها وشهواتها بالقدر الذي لا يشغلهم عن عبادة الله -سبحانه وتعالى-، فمن الناس من فهم هذه الحكمة التي خُلق من أجلها، واشتغل بعبادة الله -سبحانه وتعالى- وأخذ من الدنيا شيئًا يسيرًا كما ورد في الآية: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} .
ومن الناس من نسي الحكمة التي خُلق من أجلها وجعل دنياه هي المقصد وهي الهدف وهي الغاية، فانشغل بها عما أمره الله -سبحانه وتعالى-، وأصبحت الدنيا في حقه مقصودة لذاتها يترك عبادة الله تعالى ويترك أمر الله ويعطل ما أمر الله به ويخذل دين الله -سبحانه وتعالى- اشتغالًا بدنياه وبما أباح الله له من الدنيا، فجعل الدنيا مقصودة لذاتها، فتُركت العبادات بحجة الدنيا، تُرك الجهاد لأجل محبة الوطن، وتُرك الجهاد لأجل البقاء عند الزوجة والأولاد، وتُرك الجهاد لأجل جمع الرزق، وتُرك الجهاد لأجل ملذات الدنيا.
ولو كنا فقيهين فيما خلقنا الله -عز وجل- من أجله لتركنا كل هذه الأشياء لأجل أمر الله -سبحانه وتعالى-، ولكُنا نقدم أمر الله على كل ما تدعونا إليه نفوسنا من ملذات الدنيا، فالله -سبحانه وتعالى- يقول: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور} .
والمؤمن الفطن العاقل اللبيب الذي يفهم العبادة والحكمة التي خُلق من أجلها يفكر كيف يسخر يومه، وكيف يسخر حياته، وكيف يشغل الدنيا لأجل طلب رضا الله تعالى.
فكما أن أصحاب الدنيا إذا أصبحوا اشتغلوا في جمع أرزاقهم، وتتبعها والاستكثار من جمع الدرهم والدينار، هؤلاء طلبة الدنيا. فإن طلبة الآخرة الذين يريدون ما عند الله -سبحانه وتعالى- ويفهمون لأي حكمة خُلقوا، الواجب عليهم في كل يوم وفي كل ساعة وفي كل دقيقة أن يفكروا كيف يشغلون يومهم وكيف يشغلون حياتهم في عبادة الله -سبحانه وتعالى-، وماهي أقرب السبل والوسائل الموصلة إلى رضا الله -سبحانه وتعالى-، حتى يفوزوا بالحكمة التي خلقوا من أجلها والغاية التي يسعون إليها وينالوا رضا الله -سبحانه وتعالى- وما عنده في الدار الآخرة. ولهذا فإن الواجب على العبد المؤمن أن لا ينشغل بشيء من الدنيا يشغله عن دين الله -سبحانه وتعالى- وأن يتحمل العبادة التي أمره الله -عز وجل- بها مهما كانت شاقة بالغة المشقة عليه عظيمة.
من أعظم العبادات الشاقة على النفوس: الجهاد في سبيل الله، فهو شاق كريه على نفوس بني آدم لما فيه من التعب والمكاره والمتاعب والمصاعب، ولما فيه من التضحية بالمال والنفس، ولما فيه من مفارقة الوطن وترك الزوج والولد، ولهذا أعرض عنه كثير من المسلمين إيثارًا لدنياهم على آخرتهم -نسأل الله العافية والسلامة-، والله -سبحانه وتعالى- قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} ، ولكنه أعقب ذلك بقوله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} ؛ فالجهاد وإن كان كريهًا إلى النفوس إلا أنه خير لما فيه من الأجر العظيم، خير لما فيه من المنازل العالية، خير