فقد قدم إليه وفد من القادة الفلسطينيين التماسأ يطلبون فيه إلغاء وعد بلفور، وإنهاء الهجرة اليهودية، والموافقة على تشكيل حكومة وطنية تكون مسؤولة أمام جمعية منتخبة من قبل الشعب، إلا أن تشرشل رد قائلا: «إنكم تطلبون مني إلغاء وعد بلفور وإيقاف الهجرة، غير أن هذا ليس في يدي، كما أنه ليس في رغبتي .. وبعد أن أفاض تشرشل في امتداح فكرة إنشاء مركز قومي يهودي في فلسطين تحدث عن مادة والضمانات الثانية في الوعد وعما وصفه بقدسية الحقوق العربية والدينية» ، وقال لمقدمي الالتماس: ديؤسفني أنكم تعتبرون الشق الثاني غير ذي قيمة. إنه أمر حيوي بالنسبة إليكم، وعليكم أن تتمسكوا وتطالبوا به بشدة. فإذا كان أحد الوعدين قائمة فإن الوعد الآخر قائم
كذلك. وسوف نفي بالوعدين معا بكل إخلاص». أما في موضوع إقامة برلمان فلسطيني فقد كان تشرشل صريحة على الأقل إذ قال: إن شكل الحكم الحالي سيستمر سنين
طويلة، وسنقيم شيئا فشيئا مؤسسات ممثلة للشعب تؤدي إلى الحكم الذاتي الكامل غير أن تحقيق ذلك لن يكتمل قبل أن يكون أبناء أبنائنا قد انتقلوا إلى الدار الآخرة (17) .
نتبين في جواب تشرشل الحيرة التي ظلت تواجه الفلسطينيين معظم فترة الانتداب. فقد وجد الفلسطينيون أنفسهم من الناحية الدستورية في طريق مسدود. ولم تكن ثمة فائدة في تركيزهم على جوهر الأمر، وهو استحالة تنفيذ الانتداب أساسا، لأنه لم تكن لدي بريطانيا والرغبة» أو «السلطة للتخلي عنه. فهي لم تكن ترغب في ذلك لأن سياستها
كانت كذلك، ولم تكن لديها السلطة لذلك لأنها كانت بحسب دعواها، تقوم بتنفيذ وأمانة مقدسة» حملتها إياها عصبة الأمم. وكانت عصبة الأمم بكل هيبتها قد أعلنت من قبل رأيها بأن والالتزامين المفروضين على الدولة المنتدبة ليسا متعارضين بأي وجه من الوجوه». ووجدت بريطانيا في هذا الحكم سلاحا ترد به على التأكيدات العربية بأن الالتزامين كان خلاف ذلك. طبيعي أنه كان في مقدور العرب أن يرفعوا القضية إلى عصبة الأم مباشرة، متجاوزين بريطانيا، بيد أنهم وجدوا أن اللجنة الدائمة للانتداباته ليست مخولة صلاحية الاعتراض على الشروط الأساسية للانتداب.
ولم يحقق العرب تقدم أكبر في الأسلوب غير المباشر. فبعد أن يتجاوز المرء عن دواعي الفصاحة التشرشلية، يتبين لديه بوضوح أن نية الحكومة البريطانية كانت تتجه إلى ضرورة انتظار الفلسطينيين وقتا طويلا جدا قبل إنشاء مؤسسات حقيقية للحكم الذاتي. لذا كان كل ما يستطيع الفلسطينيون أن يفعلوه هو أن يضعوا ثقتهم في فقرة الضمانات