الصفحة 370 من 642

أي رضع من هذا القبيل ويحاول الاستفادة منه قدر الإمكان. فهو يصرخ ما أمكنه الصراخ ويحاول الابتزاز ما أمكنه ذلك. وقد سمعنا الصرخة الأولى عندما أعلن وعدك فقد ألصقت بهذا الوعد كل أنواع التفسيرات والتصورات الخاطئة. وقالوا إن الإنكليز سيسلمون العرب المساكين إلى اليهود الأغنياء الذين يتربصون وراء جيش الجنرال النبي للانقضاض كالنسور علي صيد سهل ولطرد كل من عداهم من البلاد (12)

ومع هذا فلم يكن وايزمان في كثير من الأحيان يستطيع حتى في المواقف العامة أن بستر حقيقة آماله إلا بارق ستار من السرية والمنطق المعسول. بل إن هذا الخطيب الذي يعتبر من أفصح الخطباء كان يبدو أحيانا وكأنه ينسى نفسه، مثلما فعل عندما قال في خطاب عام ألقاه في لندن بعد إعلان وعد بلفور بسنتين فقط:

إنني أؤمن بأن دولة يهودية ستقوم، ولكنها لن تقوم بالتصريحات السياسية وإنما بعرق الشعب اليهودي ودمائه. (إن وعد بلفور هو المفتاح الذهبي الذي يفتح لكم أبواب فلسطين ويعطيكم الفرصة لصب کل جهودكم في البلاد. وقد طلب منا أن نحدد رغباتنا فقلنا إننا نريد أن نقيم في فلسطين أوضاعة سياسية واقتصادية وإدارية تمكننا مع تطور البلاد من صب عدد كبير من المهاجرين، وأن نقيم أخيرة في فلسطين مجتمعة يجعل فلسطين يهودية مثلما أن إنكلترا إنكليزية، أو أميركا أميركية. وآمل أن تكون الحدود اليهودية الفلسطين عظيمة مثل طاقة اليهود للحصول على فلسطين(13) .

ويبدو أن المؤرخين الصهيونيين كانوا أكثر فطنة من وايزمان، فقد حذفت هذه الفقرات الفاضحة من الطبعات المتأخرة للكتاب الذي وردت فيه.

أما عن الجانب العملي فقد وضع وايزمان مفهومين أساسيين ظلا منذ ذلك الوقت أساسا في السياسة الصهيونية. أولهما مفهوم الإطار الفارغ. وقد شرح وايزمان فيما بعد هذا المفهوم في سيرته الذاتية فقال: «لم يكن وعد بلفور سوى إطار علينا أن نملأه بجهودنا الخاصة، وهو سيتخذ المعنى الذي سنعطيه له، لا أكثر ولا أقل. ويتوقف احتمال إقامتنا الدولة ومني نفعل ذلك على ما يمكن أن نعطيه لهذا الإطار من معنى بالمجهود البطيء والمكلف والشاق» (14) . أما المفهوم الآخر فهو مفهوم المراحل. فقد ألقي وايزمان كلمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت