الصفحة 368 من 642

يمكن بسهولة تصور نشوء وضع لا يكون فيه من مصلحة حضارة البلاد وجود جالية كبيرة من الناس، مهما بلغوا من المستوى في الوطنية والقدرة والجد ومهما كان اختلاطهم بالحياة الوطنية العامة، تبقيهم أعمالهم فئة خاصة قائمة بذاتها لا تقتصر على مجرد اعتناق دين يختلف عن دين الأغلبية الساحقة لمواطنيهم، بل لا يتزاوجون مع غيرهم على الإطلاق (8°.

تحمل الوثيقة اسم بلفور، إلا أن الحقيقة أن الصهيونيين أنفسهم كانوا إلى حد كبير جدا هم الذين أوحوا هذا التصريح وصاغوه، ولا شك أن وعد بلفور يعتبر أبدع ثمرة للدبلوماسية الصهيونية وهي في ذروة تأرجحها. ويتطلب الاستعراض الوافي للبذور التي انطلقت منها تلك الرسالة المؤلفة من 117 كلمة والمغزى الحقيقي لهذه الكلمات فصلا

کاملا. والواقع أن فصولا كاملة قد خصصت لهذه الغاية ويكفي أن نذكر هنا اعتمادا على ما خلص إليه الباحثون الآخرون أن الصهيونيين الذين صاغوا هذا التصريح كانوا يرون فيه ميثاقا لإقامة دولة يهودية، وأنهم بتظاهرهم بالحرص على حقوق والطوائف غير اليهودية في فلسطين، إنما كانوا يضعون في الواقع أساسا شرعية لانتزاع هذه الحقوق منهم، وذلك بواسطة استخدامهم الذكي لكلمات: «المدنية» والدينية والسياسية (2) .

لم يسقط القناع كاملا عن الصهيونين بانتصارهم هذا. فقد كان الوقت لا يزال مبكرة لرفع القناع، بل ظلوا ينكرون الغاية النهائية التي كان أصدقاؤهم وأعداؤهم على السواء يعزونها إليهم، وهي إقامة دولة يهودية. وقد حذر وايزمان الصهيونيين الأكثر منه تطرفة فقال: لا بد من بناء فلسطين من غير انتهاك لحقوق العرب المشروعة، إن شعرة واحدة في رؤوسهم لن تست). وقد ذهب وايزمان إلى فلسطين ليؤكد للعرب أن غايتنا ليست تسلم السيطرة على السياسة العليا لإقليم فلسطين. ولم يكن هدفنا في أي يوم من الأيام إخراج أي شخص من ممتلكاته (1) . إلا أنه في الوقت الذي كان فيه وايزمان يوزع هذه التأكيدات على الأهالي كان ينقل حقيقة أفكاره في مراسلات مع بلفور:

إن العرب أذكياء وسريعة البديهة في الظاهر، وهم يعبدون شيئا واحدة فقط ألا وهو القوة والنجاح ... وإن على السلطات البريطانية ... التي تعرف تماما

طبيعة العرب المخاتلة أن تحرص دائما على ألا يقع شيء يسيء إلى العرب أقل الإساءة وإلا فإنهم سيطعنون الجيش من الخلف. وان العربي سريع في تقدير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت