الصفحة 56 من 242

العريقة، كان هناك اختلاف هام بين حضارة الإسلام والاثنتين الأخريين. وقبل رحلات الاستكشاف والتوسع، ظلت الهند والصين بعيدتين عن الآفاق الأوروبية کبلدين نصف أسطورتين لا يعرفان إلا من إشارات متفرقة إليها في الكتب المقدسة والأعمال الكلاسيكية، ومن الروايات العابرة للرحالة الشجعان. وكانت معرفة الهنود والصينيين باوروبا وشعوبها أقل بكثير، حتى إن مجرد اسمها لم يرد ذكره في أي موضع في السجلات التاريخية والأدبية لهذه الحضارات.

وفي العالم الإسلامي، أيضا، كان اسم أوربا مجهولا تقريبا. ولم يظهر إلا في عدد قليل من الترجمات أو الاقتباسات العربية الأولى من النصوص الجغرافية الإغريقية، لكنه لم يصبح جزءا من الاستخدام الجغرافي والسياسي المقبول للإسلام الوسيط، ولم يدخل

حيز الاستخدام العام إلا في أواخر القرن التاسع عشر عندما اجتلبت الهيمنة السياسية، ومن ثم الفكرية، الأوروبية قبولا عاما للتسمية الأوروبية.

ولكن، إذا كان اسم أوربا مجهولا، فقد كان الواقع الذي يدل عليه قديها ومألوفا. وعلى عكس جيرانها و أسلافها، فقد ميزت الدولة الإسلامية نفسها بدين، وكمجتمع كانت فيه الهوية والولاء بتحددان بقبول دين مشترك. وبالنسبة لمسلمي العصر الوسيط، فقد كان العالم ينقسم إلى قسمين: دار السلام، حيث يسود دين الإسلام وشريعته؛ وبقية العالم الذي كان يعرف بدار الحرب، والذي سيأتي إليه المسلمون - في الوقت المناسب - بدين الإسلام وشريعته. ومنذ تاريخ مبكر، تعلم المسلمون التمييز بين المجتمعات الواقعة شرقا وجنوبا، والتي لم يكن زعماؤها يعتنقون أي دين ممل يمكن الاعتراف به، وكان يمكن اعتبار أهلها لجند للإسلام قابلين للتعليم، والشعوب الواقعة شمالا وغربا والتي اعتنقت المسيحية. وإذا كان اسم أوربا لم يكن يعني شيئا، فقد كان اسم العالم المسيحي يعني الكثير.

وقد ظل العالمان المسيحي والإسلامي جيرانا، وفي أغلب الأحيان أعداء، منذ مجيء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت