ظهور المسيحية موازيا لانحطاط روما، وأقامت الكنيسة هياكلها الخاصة للبقاء في تلك الفترة. وخلال القرون التي كانت فيها المسيحية ديتا مضطهدا للمظلومين، كان هناك اعتقاد بأن الله بضع أولياءه للمعاناة والمحنة ليختبر إيمانهم ويطهره، وعندما أصبحت المسيحية دين دولة في نهاية الأمر، حاول المسيحيون تولي السلطة و تطويع المؤسسات وكذا لغة روما لاحتياجاتهم الخاصة. وبالنسبة لمجموعة كبيرة وهامة من المسيحيين، أصبحت روما، وليس الناصرة أو بيت المقدس، مركزا للعالم المسيحي؛ وأصبحت اللاتينية، وليس الآرامية أو العبرية، لغتها المقدسة. وعلى عكس ذلك، فقد ظهر الإسلام عند ميلاد إمبراطورية وأصبح أساسا لعالم واسع، ثري، مزدهر قام في گئف الدين الجديد ووجد تعبيرا عنه في لغة الوحي الجديدة، اللغة العربية. وعلى الرغم من أن القديس أوغسطين وغيره من المفكرين المسيحيين الأوائل يرون أن الدولة أهون شيرين، فقد كانت الدولة - الإسلامية بطبيعة الحال - بالنسبة للمسلمين ضرورة قضى بها القانون الإلهي للدفاع عن دين الله ونشره، وحفظ شرع الله وتطبيقه. وفي هذا المفهوم للكون، ينظر إلى الله على أنه يساعد المؤمنين ولا يختبرهم وأنه يرغب في نجاحهم في هذا العالم ويظهر قبوله الإلهي بمنحهم النصر والهيمنة.
وهناك استثناء جزئي لهذا في طوائف الأقلية والمعارضة التي نشأت داخل الإسلام. وعند الشيعة، يجد المرء مفهوما ذا طابع مسيحي تقريبا للمعاناة والألم. فإذا ما اقترن هذا بالانتصارية الإسلامية، ينشأ عنه أحيانا قوة اجتماعية مؤثرة على نحو متفجر،
ومنذ مطلع التاريخ الإسلامي، لا يزال هذه المفاهيم آثار مهمة في الوقت الحاضر، وبخاصة تأثيرها على تشكيل الوعي الذاتي الإسلامي وشخصيته. ولعل التأثير الأهم والأبعد مدى من بين هذه التأثيرات هو أن معظم المسلمين يرون أن الإسلام - وليس أي شيء آخر - هو الأساس المطلق للهوية والولاء، ومن ثم السلطة. وفي معظم أجزاء العالم الحديث، من المعتاد، في أوقات مختلفة ولأغراض مختلفة، أن يقوم الناس بتعريف أنفسهم جماعيا بعدة طرق - بالبلد أو الأمة أو العرق أو الطبقة أو اللغة، وكذلك بعض المعايير الأخرى، وكل هذا له موضعه في المفاهيم الذاتية الإسلامية كما تعكسه الكتابات
رو