القول الثالث: جواز دخول كنيسة مطلقًا. يعني فيها صور أو لا، وهذا هو الصحيح، ولذلك لكن بالقيد السابق قلنا: هذا كمسألة، فرق بين المسائل والفتوى، ولذلك أحكي دائمًا كلمة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (فرق بين العلم وبين الفتوى) . العلم تقرر فيه المسائل على وجهها مما جاء في القواعد والأصول، لكن الفتوى لا بد من مراعاة أحوال الناس. أقول: الصواب النص دل على عن أم سلمة دخلت كنيسة ورأت صور، ما أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا دخلت كنيسة فيها صور ولم يُنْكِر عليها فدخول كنيسةٍ لا صور فيها من بابٍ أولى وأحرى، لكن هل نقول للناس: أن هذا جائز مطلقًا؟ ولذلك قلنا فيما سبق: أن هذه المسائل ينبغي تقيِّدُها، يعني ما جاء من معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهود وكونه تاجر معهم لا نطلع على الفضائية نقول هذا جائزٌ والنبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كذا وكذا، العوام لا يميزون بين التوحيد والشرك، لا يميزون بين الولاء والبراء، عندهم خلط في باب المعتقد عندهم حب للدنيا، قد يؤثرون الدنيا على الآخرة، قد يحب الكافر ويتعلق به، قد يتنصر قد وُجد، حينئذٍ كونه لا يميز بين هذه الأمور لا نأتي بهذه النصوص التي عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود والنصارى ثم نجعلها عامة، ولذلك الصحابة كلهم لم يأخذوا بمثل هذه الأحوال التي هي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان في حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، من أمن على نفسه بأن كان يعلم معتقده على الوجه الصحيح ويؤمن مكر أولئك القوم ويؤمن كل ما يمكن أن يقع فيه من محذورٍ من جهة هو أو من غيره، حينئذٍ نقول: عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - فلك أن تعامل. وأما إشهار هذه الأحاديث على أنها يجوز أن يتعامل الناس مع اليهود والنصارى ويفتح الباب هكذا، نقول: هذا ليس هو الدين، وليس هذا موافق لأصول معتقد أهل السنة والجماعة. إذًا القول الثالث جواز دخول كنيسة مطلقًا وهو قول الحنابلة وعليه المذهب كما في (( المغني ) )، و (( والإنصاف ) )وهو قول ابن حزمٍ في المحلى رحمه الله تعالى، وهذا الذي دل عليه النص الذي معنا.
واستدلوا أولًا ما ورد في هذا الحديث الذي معنا واضح بين.
ثانيًا ما ورد في شروط عمر رضي الله تعالى عنه على أهل الذمة أن يوسعوا كنائسهم وبيعهم ليدخلها المسلمون للمبيت بها والمارة بدوابهم، إهانة وليس للإكرام.
ثالثًا: ما ذكره ابن قدامة فيما سبق من الآثار السابقة. وكذلك قول عمر لعليٍ: امض بالناس فليتغدوا. فذهب علي بالناس فدخل وتغدى هو والمسلمون وجعل علي ينظر إلى الصور ويقول: ما على أمير المؤمنين لو دخلها. هذا مجرد الدخول.
أما الصلاة فمسألة أخرى هل يصح أو يجوز أن يصلي في كنيسة، وأما صلاة الكنيسة والبيعة فقد كرهها جماعة من أهل العلم، قال النووي في ... (( المجموع ) )حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وابن عباس ومالك. قال الشوكاني: وقد رويت الكراهة أيضًا عن الحسن، يعني جائزة لكنها مع الكراهة.