وهذه هي الإرادة الشرعية الدينية (اللام) هنا التعليل تُسمى عند أهل السنة بالإرادة، وقد جاء النص أيضًا وصف الرب جل وعلا بالإرادة، الإرادة الشرعية الدينية: وهي الملازمة للأمر يعني لا يكون إلا بما أمر الله عز وجل به، لا الإرادة الكونية القدرية إذ لو كانت كذلك للزم حينئذ وجود ماذا؟ العبادة من جميع الجن والإنس، لو كان كذلك لعبده جميع الجن والإنس، والواقع خلاف ذلك، فالإرادة حينئذ تكون على نوعين: إرادة شرعية، وإرادة قدرية كونية.
الإرادة الشرعية ترادف المحبة عند أهل السنة أراد بمعنى أحب.
والإرادة القدرية الكونية إرادة المشيئة الإرادة بمعنى شاء.
وبين الإرادتين عموم وخصوص مطلق، ثَمَّ خلاف، هل العلاقة بينهما العموم والخصوص الوجهي أو المطلق؟ المشهور أنه المطلق، يجتمعان في حق المخلص المطيع إذا قام وصلى حينئذ نقول: هذا وافق الإرادة الشرعية لأنه عمل بما أحبه الله عز وجل، وامتثل أمره، وكونه وقع وحصل وُجِدَ يعني خُلِقَ فعله فحينئذ نقول: هذه إرادة كونية فأراده الله عز وجل فأراده كونًا.
وتنفرد الإرادة القدرية الكونية في حق العاصي الذي يشرب الخمر، أراد الله عز وجل ترك الشرب لكنه وقع، فحينئذ نقول: وقع بالإرادة الكونية القدرية، وأما الإرادة الشرعية فلم يمتثل، فانفردت الكونية عن الشرعية، هذا ما يتعلق بالآية على جهة الإجمال.
وأما المفردات فـ (ما) نافية ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} ) ، (ما) نافية، وخلقت فعل وفاعل، والخلق بمعنى الإيجاد المسبوق بالتقدير، ليس مطلق الإيجاد كما يفسره البعض، لا، إيجاد مسبوق بتقدير، لأن الأصل في معنى الخلق في لسان العرب التقدير هذا الأصل. بمعنى التقدير قال الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقتَ وبعـ ... ـ ض القوم يخلق ثم لا يفري
(لأنت تفري ما خلقت) يعني ما قَدَّرْتَ، (تفري) تُوجد تنفذ ... (وبعض القوم يخلق) يُقدر في نفسه (ثم لا يفري) سأحفظ سأحفظ سأحفظ كله نوايا، ثم لا يقع منهم شيء، صحيح؟ إذا قَدَّر في نفسه ولم يقع، وقد يفعل الشيء يُقدره ويفعله. والله عز وجل يفعل الشيء وهو الخلق ويكون حينئذ مسبوقًا بتقدير، أي أنت تنفيذ ما قَدَّرْتَهُ وبعض الناس يُقَدِّرُ ثم لا يُنَفِّذ، فمعنى خلقت حينئذ أَوْجَدت وهذا الإيجاد يكون مسبوقًا بتقدير.
قوله: ( {الْجِنَّ} ) ، ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} ) هنا قدَّم الجن وبعض الآيات يقدم الإنس، هنا لكون خلق الجن سابقًا قُدِّمُوا بهذا الاعتبار ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ} ) وإلا الإنس أشرف من حيث العبادة والأمر من الجن، وهذا لا شك فيه، لكن لَمَّا كان هنا ذكر الخلق هو الأصل حينئذ كان الجن أصلًا في التقديم، يعني قُدِّمُوا هنا من أجل كونهم موصوفين بصفة الخلق قبل الإنس، فالْجِنِّيّ سابق في الوجود على الإنس.