وفي الحديث المشهور عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيين من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير» . الحديث رواه أحمد، والترمذي، وضعفه بعض أهل العلم، وذكره الألباني في ... (( الصحيحة ) )رحمه الله تعالى.
وعنه أيضًا مرفوعًا: «يصاح برجلٍ من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيُنشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجلٍ منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئًا. فيقول: لا يا رب. فيقال ألك عذرٌ أو حسنة. فيهاب الرجل فيقول: لا. فيقال: بلا، إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك. فيُخْرَجُ له بطاقةٌ فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظْلَم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» . الحديث رواه الترمذي، وحسنه ابن حبان، والحاكم، وقال: صحيحٌ على شرط مسلم.
وهذه الكلمة لها فضائل كثيرة عديدة سبق شيءٌ منها، وهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه، ولأجلها خُلِقَتِ الدنيا والآخرة والجنة والنار، وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة، وبها تأخذ الكتب باليمين أو بالشمال، ويثقل الميزان أو يخف، وبها النجاةٌ من النار وبعد الورود وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال في القبر ويوم التلاق، والفضائل كثيرة جدًّا استوفى شيئًا منها الحكمي في شرحه على (( سُلَّمِه ) )، والكلام في لا إله إلا الله من جهتين:
الأول: من جهة اللفظ.
والثاني: من جهة المعنى.
وهذا الباب كما ذكرنا مرارًا أو فيما سبق أنه هو المقصود بالذات، وعليه لا بد من تفصيله وتقعيده على قواعد أهل العلم.
وثَمَّ إشكالات في اللفظ وثَمَّ إشكالات في المعنى، لكنها إشكالات تزول برد تلك المشكلات إلى الواضحات.
قلنا: الكلام فيها من وجهين:
الأول: اللفظ.
والثاني: المعنى.
والبحث فيها من جهة اللفظ يكون من شقين:
الأول: الإعراب.
والثاني: الاشتقاق.
والبحث من جهة المعنى سَنُدْخِلُ فيه ما يتعلق بالاشتقاق، ويدخل في معرفة معناها أركانها وشروطها وتحقيقها ونواقضها، ونواقضها لماذا ذكرت النواقض؟ لما ذكرناه سابقًا أن الشيء يُفسر بماذا؟ بذكر ما تحت اللفظ أو بذكر المنافي والمناقض، ولا يتحقق العبد بمعرفة لا إله إلا الله إلا إذا عرف نوقض لا إله إلا الله، كالشأن في الصلاة إذا لم يعلم مفسدات الصلاة ومبطلات الصلاة قد يقع في المفسدات من حيث لا يشعر، قد لا تصح له صلاة، كذلك إذا لم يعلم مفسدات الصوم ونواقض الوضوء قد يقع في المفسدات ولا يشعر أنه قد خرج من الوضوء أو خرج من الصلاة، كذلك قد يخرج من الإسلام وهو لا يشعر وهو لا يدري إذ لا يشترط في الكفر قصده، لا يشترط هذا باتفاق، وأكثر الكفار إنما هم طالبون للحق كما سيأتي وأنهم جاهلون غير عالمين، يعني بما هم عليه، ولذلك مر معنا ... {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} [البقرة: 113] ، وهم كذلك يقولون ماذا؟ {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] ، يضللون يضلل بعضهم بعضًا وحصروا الجنة فيهم، حينئذٍ نقول: هذا يدل على أنهم جاهلون بأنهم كفار، ولا يشترط في الكفر قصدهم، مرادي بهذا أن النواقض لا بد من العلم بها في معرفة لا إله إلا الله، وهذه تحتاج إلى دروس مفردةٌ من حيث الإعراب وما يتعلق بها، وثَمَّ إشكالات عند بعض أهل العلم، ولذلك أفردت بالتصنيف ابن هشام له رسالة، وعليّ مُلا قاري له رسالة، نأتي إن شاء الله بمضمون تلك الرسائل نبين ما يتعلق بها، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.