الصفحة 655 من 883

-وإما أَمْرٌ ونَهْيٌ وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبرٌ عن أهل الشرك وما فعل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن توحيده، والقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي الشرك وأهله وجزائهم. هكذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في (( مدارج السالكين ) ). فلا تجد كتابًا قد تضمن من البراهين والأدلة على هذه المطالب العالية كما تضمنه القرآن بأسلوب واضح جليل، فألفاظ القرآن أفصح الألفاظ هذه قاعدة لئلا يقع شيء في النفس ويحتاج إلى بيان، فألفاظ القرآن أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها مطابقةً لمعانيها المرادة منها، وهذه من القواعد التي تَرُدُّ بها على المخالفين المحرفين في هذا المقام، لأنك تقول: ما أُنْزِلَ القرآن إلا من أجل أن يعبد الله تعالى على هذه الأرض، حينئذٍ كيف يكون كلامه مجملًا؟ كيف يكون الكلام المراد به دائمًا المرجوح دون الراجح هذا تلبيس، وليس بدعوة إلى العبادة، وإنما يكون فيه شيء من الإلباس والتدليس على الناس، فلا تجد كلامًا أحسن تفسيرًا ولا أتم بيانًا من كلامه سبحانه، ولهذا سماه بيانًا خلافًا لمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم بشيء من أصول الدين، وهذه من المشاكل التي تمسك بها أهل البدع قالوا: القرآن هذا يتعلق بالألفاظ ولا يمكن أن يدل اللفظ على اليقين - وأصول الدين لا بد فيها من اليقين -. إذًا لا يمكن أن نأخذ من الألفاظ التي في الكتاب والسنة ما يدل على اليقين لتعذره في الدلالة على ذلك، وضَلُّوا وأَضَلُّوا هذا الأصل، ولذلك قالوا: العقل صريح قطعيّ، فحينئذٍ قدموا العقل على النقل على الشرع، ولذلك الأشاعرة وغيرهم في باب العقيدة هؤلاء لَمْ يُحَكِّمُوا شرع، لا يؤمنون أصلًا بشرع، لا يقرون لا بآيةٍ ولا بحديثٍ، وإنما جعلوا العقل هو المصدر للتشريع، وهذا شرك أكبر في الطاعة، أليس كذلك؟ شرك الطاعة الذي مر معنا أنه تحكيمٌ لغير شرع الله عز وجل {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] هذا ليس خاصًّا بالقوانين الوضعية. من القوانين الوضعية العقل، يعني ما وضعه الناس وتآلف عليه هذا المراد بالقوانين الوضعية، حينئذٍ إذا قلتَ: العقل هو المصدر، لا أقبل ما أدين الله تعالى عقيدةً إلا ما دل عليه العقل، هذا فيه تشريكٌ. إذًا خلافًا لمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم بشيءٍ من أصول الدين، وهذا باطل. ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منه، وعَبَّرَ عن ذلك بقوله: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين لأنها محتملة. قال: كل تركيبٍ في القرآن فهو محتمل. وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، فالقرآن كله باطل عندهم، هذا حقيقته، رضوا أم لا، فالقرآن كله باطل لا يُستدل به، ولذلك لجأوا إلى العقل، هل هذا مسلم؟ هل يقول به مسلم؟ الجواب: لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت