الصفحة 464 من 883

وعلمٍ به، نفس ذلك الشيء بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده، لأنه يوجب الثواب والعقاب. قال: فمعنى قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} . أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب، ولا ريب أنه كان عالمًا سبحانه بأنه سيكون لكن لم يكن المعلوم، قد وُجِدَ، وهذا علمٌ سابق قبل وجود الفعل، والقرآن قد أخبر أنه سبحانه يعلم ما سيكون في غير موضع، وأخبر بما أخبر به من ذلك قبل أن يكون، وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوده، ثم لما خلقه علمه كائنًا مع علمه الذي تقدم أن سيكون، فرقٌ بين النوعين، فهذا هو الكمال - يقول ابن تيمية: فهذا هو الكمال وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضع عشرة آيةً من القرآن كقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} . مع إخباره في مواضع كثيرة من أنه يعلم ما سيكون قبل أن يكون.

وفي هذه الآيات أيضًا إشارةٌ إلى أنه ينبغي للعبد أن يعبد الله سبحانه وتعالى على استحضار قربه واطلاعه، وأنه بين يديه، وذلك يوجب للعبد الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب النصح في العبادة، وهذا هو مقام الإحسان كما في حديث عمر «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع كثيرة، وكذلك وردت أحاديثٌ صحيحةٌ بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات كقوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يناجي ربه» .

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] ) . هذا شروعٌ في ذكر صفة الْمِحَال والْمَكْرِ والْكَيْدِ، وهي متقاربة المعاني، قوله: ( {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} ) . أي شديد مُمَاحَلَتُه في عقوبة من طغى عليه وعتى وتمادى في كفره.

وعن علي رضي الله عنه ( {شَدِيدُ الْمِحَالِ} ) أي شديد الأخذ، يعني ماذا؟ بالعقوبة، شديد الأخذ بالعقوبة، ورُوِيَ شديد القوة، إذًا ( {الْمِحَالِ} ) يفسر بماذا؟ شديد الأخذ يعني بالعقوبة، وشديد القوة، وكلاهما تفسيران للسلف، وقيل قولٌ آخر: إن الْمِحَال بمعنى المكر والكيد، قريبٌ منه ليس مرادفًا له، وإنما المراد به ماذا؟ شديد المكر وشديد الكيد، إذًا هو بمعنى المكر والكيد، وكأنه على هذا التفسير مأخوذٌ من الحيلة، وهي أن يتحيل بخصمه حتى يوقع به، لأن هذا معنى ماذا؟ معنى الكيد، يُظْهر له أسباب معلومة ثم بعد ذلك يكون ما يكون، وهذا المعنى ظاهر صنيع المؤلف هنا رحمه الله تعالى، يعني يرى أن الْمِحَال هو شديد المكر والكيد، لماذا؟ لأنه أوردها متوالية قال: ( {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} ) ، ( {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ} [آل عمران: 54] ) .. إلى آخره، لأنه ذكرها في سياق آيات المكر والكيد.

قال النسفي في تفسير قوله: ( {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} ) . والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت