ثم قال رحمه الله تعالى [القاعدة الرابعة] , وهي قاعدة ظنية وليست بـ بقطعية, ولذلك خالف فيها بعض أهل العلم, وهي المقارنة بين مشركي الجاهلية ـ الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ـ ومشركي زمان الشيخ رحمه الله تعالى, وفي هذا الزمن كذلك, أي المشركون المتأخرون, أنهم ينتسبون إلى .. إلى الإسلام ويصلون ويزكون ويحجون ويعتمرون, ومع هذا فشركهم أغلظ من أولئك المتقدمين, يرى المصنف رحمه الله تعالى أن شرك المتأخرين أعظم وأشد غلظة من شرك المتقدمين الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم, فقال رحمه الله تعالى ـ وكما ذكرت أن هذا اجتهادٌ من .. من المصنف, وأما حكاية حال ما وقع فيه المشركون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إذا وقعوا في الشدة أخلصوا لله عز وجل, وإذا ارتفعت عنهم الشدة عادوا إلى ما كانوا عليه, وأما المشركون المتأخرون فسووا بين الأمرين, في الرخاء والشدة يدعون غير الله عز وجل, قال رحمه الله تعالى (أن مشركي زماننا) يعني زمانه, وهو في القرن الثاني عشر رحمه الله تعالى, (أغلظ شركًا) يعني أشد شركًا من .. (من الأولين) , كلاهما موصوف بـ الشرك الأكبر, يعني كل منها داخل في مذهب واحد وهو الشرك بالله عز وجل, لكن الشرك درجات كما أن الكفر درجات, حينئذ أيهما أغلظ وأشد كفرا وأعظم ظلمًا وجهلًا, المشركون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم أم أولئك المتأخرون؟ المصنف يرى أن المتأخرين أعظم وأشد شركًا من .. من المتقدمين, ولذلك قال (أن مشركي زماننا) أضاف الزمان هنا إلى عهده رحمه الله تعالى, (أغلظ شركًا من الأولين) , ما دليل هذه القاعدة؟ التعليل قال (لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة) يعني عند الشدة يقطعون علائق الشرك ولا يتوجهون إلا .. إلى الله عز وجل بالرغبة والرهبة وإخلاص الدعاء له سبحانه, وفي الرخاء .. وفي الرخاء يعبدون الله وغيره, حينئذ لم يسووا بين الحالين, بين الرخاء والشدة, في الشدة أخلصوا الدين لله ولم يعبدوا إلا الله, وفي الرخاء عبدوا الله تعالى وعبدوا غيره, (ومشركي زماننا شركهم دائم) متصل لا ينقطعون عنه البتة, (في الرخاء والشدة) استووا, أي يقع منهم الشرك في الرخاء كما أنه يقع منهم الشرك في .. في الشدة, فهم لا يخلصون العبادة لله عز وجل, لا في حال الرخاء ولا في حال الشدة, حينئذ من هذه الحال لو قيّد المصنف رحمه الله تعالى في هذا النوع بأن المشركين في هذه الجهة أو من هذه الناحية أشد من المتقدمين, قد لا يُعترض عليه رحمه الله تعالى, وأما إذا أُطلق القول فقد يقال أن ثَمَّ فرقًا من حيث الجملة, فأولئك كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم والمتأخرون أقروا بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم, أولئك المشركون المتقدمون أنكروا البعث جملة وتفصيلا وأولئك المتأخرون أقروا بالبعث, وقد يكون في ـ من حيث التفصيل ـ ثَمّ إنكار لكنهم في الجملة مقرون بـ .. بذلك, كذلك يصلون ويزكون ويتقربون إلى الله عز وجل بخلاف أولئك المتقدمين, وإن كانت عبادتهم مردودةٌ .. وإن كانت عبادتهم مردودةً عليهم إلا أنهم قد فعلوا ما يظنون أنهم قد طلبوا الرغبة إلى الله عز وجل والوصول إليه.