فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 321

(وَبِذَلِكَ) أي العبادة الخالصة، (أَمَرَ اللَّهُ) أمر إيجاب، لأن (أَمَرَ) قد يكون أمر استحباب، وقد يكون أمر إيجاب، والمراد به أنه أمر الإيجاب، بل أعلى درجات الإيجاب، كما سبق بيانه على أنه أصل الدين، ومعقد الدين، وهو توحيد الرب جل وعلا، (وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّاسِ) يعني مسلمهم وكافرهم، ولو قال: الخلق. لكان أحسن ليشمل الجن والملائكة، (وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّاسِ) لقوله جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] فاعبدون هذا أمر بالعبادة، ولا يأمر الله جل وعلا إلا بعبادة شرعية، ولا عبادة شرعية إلا مع الإخلاص، فصار كالحقيقة الشرعية إذا أُطلق لفظ العبادة ينصرف إلى العبادة التي استوفت شرطيها وركنيها، كمال الذل مع كمال الحب والإخلاص مع المتابعة، حينئذٍ تُسمى عبادة. {فَاعْبُدُونِ} هذا أمر بالعبادة، إذًا أمر الله جميع الناس بهذه العبادة، بالإخلاص لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .

(وَخَلَقَهُمْ لَهَا) ، (وَخَلَقَهُمْ) أي خلق الجن والإنس، (لَهَا) أي لهذه العبادة، (لَهَا) الضمير يعود للعبادة الخالصة، واللام هنا للتعليل، يعني لبيان الحكمة من الخلق، لِمَ خلق الله الإنس والجن؟ للعبادة لقوله تعالى: ( {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُوِن} [الذاريات: 56] ) . حينئذٍ المراد بالتعليل هنا بيان الحكمة من الخلق وليس التعليل الملازم للمعلول، يعني خلق الله جل وعلا الخلق ليعبدوه، ففعل هو الأول سبحانه ليفعل الجن والإنس الثاني، ولم يخلقهم ليفعل الأول ويفعل بهم أيضًا الثاني، وإلا لصارت العبادة كونية، بمعنى أنه لا يتخلف أحد عن العبادة. أمر الله وخلق الخلق للعبادة، أليس كذلك، ( {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُوِن} إذًا كل إنسي وكل جني خلق لغاية وحكمة وهى العبادة، هل كل إنسي وجني امتثل أمر الرب جل وعلا؟

الجواب: لا، إذًا تخلف ما أراده الله جل وعلا من حكمة عن بعض أفراد الإنس والجن، دل على ماذا؟ دلّ أنه فعل الأول ليقوم الإنس والجن بفعل الثاني، وهذا مثل قوله جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] . ثم قد يطيعون وقد لا يُطيعون قد يعصون، هنا كذلك خلقت الجن والإنس ليعبدون، وقد يعبدون وقد لا يعبدون. إذًا نفسر اللام هنا بلام التعليل وليست بلام الصيرورة والعاقبة، لأننا لو فسرناها بلام الصيرورة والعاقبة صار المعنى هكذا: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ثم كل فرد من أفراد الإنس والجن قد عبد الله جل وعلا. فالذي سجد للصنم يكون قد عبد الله لأنه ما خُلِقَ إلا لهذه الحكمة، فقد استوفى ما خلقه الله جل وعلا لهذا، نقول: هذا باطل، لأن المراد بالعبادة هنا الشرعية وليست العبادة الكونية، ففعل الأول سبحانه ليفعلوا هم الثاني. واضح هذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت