فأطلق الإيمان على الإسلام هذا الظاهر، (فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح) تحققت أن بعض الصحابة - ليس الصحابة الذين ثبتت لهم الصحبة ظاهرًا وباطنًا، وإنما كما ذكرنا سابقًا أن من أظهر الإسلام حكمنا بإسلامه، والمنافقون قبل أن يُعلموا بحالهم فالأصل أنهم مسلمون، وإذا كان كذلك حينئذٍ صدق عليهم حد الصحابي فهم من جملة الصحابة، هذا المراد، يعني: تحققت أن بعض الصحابة راجعة إلى الظاهر من حال أولئك وظاهرهم الإسلام ـ الإسلام الحكمي وأنهم يُعَدَّوْنَ من الصحابة وإلا بعد نزول الآية علمنا أنهم منافقون طيب (الذين غزوا الروم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب المزح تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر) قاصدًا للكفر (ويعمل به) قاصدًا ويعلم أن ما هو عليه شرك، ومع ذلك يترك التوحيد ويعمل بالشرك (خوفًا من نقص مالٍ، أو جاهٍ أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها) الذي يتكلم بكلمة يمزح بها فنحكم عليه بأنه كافر، الظاهر من حاله أنه لم يقصد الكفر، حينئذٍ أتى بكلمة يعتقد أنها ليست بكفر، لكن ذاك الذي يعلم أن ما هو عليه من الشرك أنه باطل ويترك العمل بالتوحيد أيهما أعظم كفرًا؟ من قال كلمة يمزح بها فكفر، أو من فعل الشرك بحذافيره ويعلم أنه باطل أنه يفعل الشرك، أيهما أعظم كفرًا؟
لا شك أنه الثاني، هذا واضح، ولذلك فعل مقارنة بينهما الإمام هنا الذين (كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح) واعتذروا عنها، مع الذي تكلم بالكفر وهو يعلم أنه كفر، ويعمل به يعمل بالكفر والشرك ويعلم أنه شرك، ولكن لا يريد أن يخالف أهل بلده وعشيرته، أو يخشى من نقص مال أو جاهٍ أو مداراة لأحد أيًّا كان يعني: مراعاة لخواطرهم كما يقول البعض، والمداراة المراد بها هنا المداهنة يعني: الذي يتنازل عن شيء من دينه من أجل كسب المصالح. نقول: هذا يسمى ماذا؟ يسمى مداهنة، أما المداراة أن يتنازل عن شيء من دنياه. وفرق بينهما.
(أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها) وذلك لأن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به قصد ذلك قصد الكفر ويعلم أنه كفر، ولكنه خاف من نقص مال وما ذُكِر، ولكن القصد موجود دون إكراه والمستهزئ قد يقال أنه لم يقصد كفر بل يمزح، ولذلك جاء القرآن بتكفيره {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66] لأجل كلمة قالوها، فذاك الذي يعكف عند القبور ولا يستطيع أن ينزع عنها خوف من عشيرتها ونقص ماله من باب أولى أن يكون أكفر من أولئك.