فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 446

لا يشترط في الثلاثة المتأخرة أن يكون معها اعتقاد، إذ لو شرطنا الاعتقاد حينئذٍ صح أن يقال: بأنه لا كفر إلا باعتقاد. وإذا كان كذلك حينئذٍ رددنا الإيمان إلى الاعتقاد والمعرفة فحسب، وهذا مذهب الجهم، فهمتهم؟ إذا قلنا: لا كفر إلا باعتقاد. ومعلوم أن الكفر نقيض الإيمان، ما لا يكون إيمان هو الذي يكون كفرًا، إذا حصرنا الكفر في الاعتقاد معناه أن الإيمان اعتقاد ومعرفة، وليس قولًا باللسان ولا عملًا بالأركان، واضح، وهذا قول من؟ قول الجهمية أنه يكتفا بالإيمان بالحكم على الشخص بكونه مؤمنًا المعرفة فيلزمه أنه إبليس مؤمن لأنه يعرف ربه (كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب) كما جاء في الحديث المتفق عليه «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد من ما ... بين المشرقين» . فلو تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الجميع ولا عبرة باعتقاده، هذا متفق عليه أو لا؟

متفق عليه أن من النواقض التي يخرج بها المسلم عن دائرة الإسلام الكلمة يعني: كلمة الكفر. كسبِّ الله تعالى وسبِّ الإسلام وسبِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ سواء كان معتقدًا لمعناها أو لا كفر سواء كان جادًا أو هازلًا كفر، لماذا؟ لأن الحكم مرتب هنا على مجرد اللفظ فحسب دون أن يكون معه اعتقاد، ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن سبّ الله تعالى أو سبّ رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا - مع كون الحكم معلق على مجرد السبّ يعني: كل من سبّ الله تعالى حكمنا عليه بكونه كافرًا ظاهرًا وباطنًا، ولا يعذر بجهل البتة في مثل هذه، كفر - ظاهرًا وباطنًا وسواء كان السابّ يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلًا له أو كان جاهلًا عن اعتقاده، يعني: مطلقًا كل من سبّ الله تعالى فهو كافر مرتد عن الإسلام سواء كان مستحلًا للسبّ أو لا، سواء كان معتقد لمعناه أو لا، سواء كان مازحًا هازلًا أو لا، لأن هذه ينافي ماذا؟ ينافي التعظيم للرب جل وعلا، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل هكذا ذكره شيخ الإسلام في (( الصارم المسلول ) )انظر هنا بناه على ماذا؟ سبّ الرب جل وعلا يكفر أو لا يكفر؟

هذه المسألة يقع فيها نزاع، ليس فيها نزاع عند المتقدمين هو كفر مخرج من الملة بإجماع، لكن عند المتأخرين خاصة المسائل العصرية يذكرون هذه المسألة من حيث العذر بالجهل أو لا؟ يُعذر أو لا؟

نقول: مبنى المسألة على مسألة الإيمان قول وعمل، ولذلك قال ابن تيمية هنا انتبه: هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل. إذًا لم يكن الإيمان قولٌ وعمل ليس من أهل السنة، ويقع عنده خوف من مثل هذه المسائل، من سبّ الله يكفر أو لا يكفر؟ من ادعى النبوة يكفر أو لا يكفر؟ .. إلى آخره، وسرّ المسألة أنهم يخرجون العمل عن دائرة الإيمان، يعني: العمل الظاهر هذا ركن عند أهل السنة والجماعة كما سيختم به المصنف في آخر الكتاب، أن التوحيد اعتقادٌ وقولٌ وعمل، حينئذٍ العمل هل هو داخلٌ في مسمى الإيمان أو لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت