(فإن قال) هذه شبهة رابعة (فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله) كما قال ذلك: (لا نشرك بالله شيئًا) . نفى (لا أعبد إلا الله) ، (وهذا الالتجاء إليهم، ودعاءهم ليس بعبادةٍ) .
إذًا هذا نوع جديد عنده خلل في فهم العبادة، ما هي العبادة؟ يعني: نقول: لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، إذًا لا يتوجه بعبادة إلا إلى الله تعالى، وقال سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] إذًا نفي الشرك شرط في صحة العبادة، {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} نفي الشرك وعدم الوقوع فيه شرط في صحة العبادة، إذًا لا معبود {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ... [الذاريات: 56] إذًا العبادة شأنها عظيم هي: مفهوم لا إله إلا الله، وهي الحكمة من خلق الإنس والجن، وكذلك أمر الله تعالى بها وجعل نفي الشرك شرطًا في صحتها، إذًا لها حقيقة شرعية أو لا؟
لا بد أن لها حقيقة شرعية، لأنه لا يمكن أن يقال بأن الله تعالى خلق الإنس والجن من أجل تحقيق هذه العبادة، ثم لم يبين تلك العبادة، لما يجعلها عقلية أو أمر عرفي ولا عقلي لماذا؟ لأن هذه العبادة عبادة شرعية، وليست بشيء مرده إلى العقل فخلق الإنس والجن ثم أمرهم بالعبادة {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] إلا لآمرهم وأنهاهم، وبَيَّنَ لهم عن طريق الرسل حقيقة هذه العبادة، فإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ لا بد من وضع حدٍّ لهذه العبادة لِيُعْلَم أن هذا النوع وهذا الفرض إذا صدق عليه بأنه عبادة لا يجوز صرفه لغير الله، فإذا صرفه لغير الله تعالى حينئذٍ يكون قد وقع في الشرك الأكبر، والعبادة مطلقًا قليلها وكثيرها، صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، ولو في نوع واحد. هنا قال: (أنا لا أعبد إلا الله) . وهذا منقوض لما بعده لأنه قال: (لا أعبد إلا الله) . هذا نفي وحصر، نفى العبادة عن غير الله وأثبتها لله وحده، نفى العبادة يعني: كونها حاصلةً منه لغير الله وأثبتها لله وحده جل وعلا، ثم قال: (وهذا الالتجاء إليهم) الالتجاء ولا اللوذ. ... (ودعاءهم) دعاءً لأصنام (ليس بعبادةٍ) ، إذًا استثنى نوعًا من أنواع العبادة وحكم عليه بأنه ليس بعبادة، وهو من أجل العبادات وهو: الدعاء. فلم يجعل الدعاء الذي توجهوا به إلى هذه المعبودات عبادة، وإذا كان الأمر كذلك إذا نُفِيَ عنه العبادة هل انصرف شيئًا لغير الله؟ لم يصرف شيئًا لغير الله فلم يقع في الشرك، لو سُلِّمَ بأن الدعاء ليس بعبادة يُسَلّم له أو لا؟
لا، لو سُلِّم بأن الدعاء ليس بعبادة - على كلامه - هل يكون في كلامه خلل؟
لا، لا يكون في كلامه خلل. إذًا من أين جاءه الخلل؟
في فهم معنى العبادة شرعًا؟ وهل الدعاء عبادة أم لا؟