فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 446

فإنك إذا عرفت كذلك معرفة قلب وبصيرة لأن العلم محله القلب، هذا هو الأصل {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] فالإدراك إنما يكون محله القلب، ثم يفيض على الجوارح. (فإنك إذا عرفت أن الإنسان) من حيث هو إنسان (يكفر بكلمة يُخْرِجُهَا من لسانه) يعني قد يقع الكفر بكلمة، ولذلك نقول: الكفر هذا نقيض الإيمان. وإذا قلنا بالفرق بين الشرك والكفر حينئذ نقول: الشرك نقيض التوحيد. والكفر نقيض الإيمان. وإن قلنا بالترادف حينئذ كل من الشرك والكفر نقيض للإيمان والتوحيد ولا إشكال، وكما ذكرنا سابقًا أن الصواب أن الكفر والشرك بمعنى واحد، إلا إنه يغلب استعمال الشرك في صرف العبادة لغير الله، والكفر فيما عدا ذلك، ولذلك جاء إطلاق الشرك في مقام الكفر عند من فرق، وجاء إطلاق الكفر في صرف العبادة لغير الله تعالى.

الكفر لغة الستر والتغطية، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزراع كذلك وصف بالكفر لستره البذر في الأرض، وفي الشرع الكفر ضد الإيمان، والمراد بالضدية هنا النقيض، [لأن الضد ضدان] [1] لأن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان، فإذا قلنا: الكفر ضد الإيمان، حينئذ لا يجتمعان هذا واضح، لكن هل يرتفعان؟

لا يرتفعان. يعني هل يقال بأن هذا الإنسان ليس بكافر ولا مؤمن، لا، وجود أحدهم على وجه الكمال ينفي أو يلزم منه نفي الآخر، والعكس بالعكس، وأما أن يجتمعان معًا يكون مؤمنًا كافرًا هذا على التفصيل، قد يكون لكن الكفر لا يكون كفرًا أكبر، وأما ألا يكون مؤمنًا ولا كافرًا هذا لا وجود له.

إذًا مراده وهذه عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الكفر ضد الإيمان. المراد بالضد هنا النقيض، لأن النقيض مع النقيض لا يجتمعان ولا يرتفعان، فلا يكون مؤمنًا كافرًا كفرًا أكبر في وقت واحد، ولا يرتفع وصف الإيمان أصله ولا وصف الكفر من حيث الأصل، حينئذ نقول: لا يجتمعان ولا يرتفعان. هذه حقيقة الإيمان مع الكفر من حيث التلازم والوجود، يعني تلازم في الوجود والانتفاء، فضد الإيمان إذًا هل هذا تعريف؟ قل: نعم تعريف، لأنه إذا كان نقيضه حينئذ معرفة النقيض إنما يُدْرَكُ بمعرفة نقيضه، وما هو الإيمان؟ الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. هذه ثلاثة أركان كل واحد منها ركن، الكفر ضده نقيضه، إذًا الكفر نقيض الاعتقاد الذي هو إيمان كفر اعتقادي، ونقيض القول باللسان الذي هو إيمان كفر باللسان، ونقيض العمل الذي هو الركن الثالث من الإيمان كفر العمل، ولذلك كل جزء من هذه الأجزاء الثلاثة يقابلها نوع من أنواع الكفر، أما الإيمان من حيث الوجود فلا يوجد الثاني والثالث إلا مع الأول، ولا الثاني إلا مع الأول والثاني، ولا الثالث إلا مع الأول والثاني، يعني هذه متلازمة في الوجود اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، هل يوجد اعتقاد دون قول باللسان؟

الجواب: لا.

هل يوجد اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، دون عمل بالجوارح؟

لا يوجد.

هل يوجد عمل بالجوارح دون اعتقاد بالقلب أو قول باللسان؟

لا.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت