فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 446

إذًا: ما هي عقيدة المشركين على ما ذكرناه بالأمس؟ أنهم يعتقدون أن الله تعالى هو الخالق المدبر، وأنه لا شريك له في هذه الأفعال، ثم اتخذوا وسائط بينهم وبين الله تعالى في قضاء الحاجات وتفريج القربات واغاثة اللهفات، قد يقول قائل: نحن نُلَبِّث عليهم. وقد يكون هذا فهمٌ من عندنا نحن أن عقيدتهم هي ما ذكرناه نقول: لا، هم يصرحون بهذا في كتبهم، ويجعلون التوحيد المحض هو اعتقاد أن الله تعالى هو الخالق فقط، وأنه إذا فعل ما فعل من صرف العبادات لغير الله تعالى حينئذٍ لا بد من الاستفصال فيُسأل هل اعتقدت مع ذبحك لغير الله يذبح لغير الله ويدعو الرسول - صلى الله عليه وسلم - اغفر لي وأدخلني الجنة، إن فعل ذلك حينئذِ يُسأل ويستفصل هل تعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخلق مع الله، يملك مع الله النفع والضر؟ إن قال: نعم، فهو مشرك لهذا الاعتقاد، فالشرك عندهم اعتقادي، كما أن التوحيد اعتقادي، وإن نفى ذلك قال: حاش وكلا، بل الله جل وعلا هو الخالق، وإنما أذبح لهذا المعبود من أجل أن يتوسط ويشفع عند الله تعالى في قضاء الحاجات وتفريج القربات. قالوا: ليس بشرك، وهذا لا يمكن إخراجه من الملة. إذًا: التوحيد عند الأشاعرة، وعند الماتريدية لا يختلف عن التوحيد توحيد المشركين الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحل دماءهم، ونساءهم، وقاتلهم ولم يقبل منهم إلا أن يقولوا لا إله إلا الله على المعنى الصحيح، وهو: أن لا معبود إلا الله جل وعلا، إذًا: فالتوحيد عن المتكلمين هو اعتقاد وحدانية الله في: ذاته، وصفاته، وأفعاله. وهذا هو مفهوم الإلوهية عندهم، مفهوم الإلوهية هو مفهوم الربوبية، فالرب والإله بمعنى واحد، والربوبية والإلوهية بمعنى واحد، ولذلك أسقطوا نوعًا من أنواع التوحيد، فشهادة أن لا إله إلا الله هو اعتقاد الوحدانية فيما ذُكِرَ فحسب في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا فرق بين توحيد الإلوهية وتوحيد الربوبية، بل هُو هو، نفسه في المعنى، ولا فرق بين الرب والإله فهما مترادفان لمعنى واحد، يعني لا نقول: الإله فعال بمعنى مفعول وهو: بمعنى معبود، لا، الرب بمعنى الإله، والإله بمعنى الرب، وعليه على كلامهم السابق التعريف فالتقرب إلى غير الله بالعبادة إذا صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى هل هو مشرك أو لا؟

قالوا: متى يكون شركًا عندهم؟ قالوا: فيه تفصيل - وأنا أنكر كلامهم -يكون شركًا متى؟ إذا تضمن اعتقاد ما يضاد الوحدانية، كاعتقاد استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، يعني: إذا ذبح لغير الله واعتقد أن المذبوح له يستحق أن يذبح له قالوا: وهذا شرك. لماذا؟ لأنه لم يفرد الله تعالى بأفعاله، كذلك لأن المعبود متفرد بالخلق والتدبير، إذا ذبح لغير الله فينظر هل تعتقد أن المذبوح له يستحق أو أنه يشارك الله تعالى في الخلق والتدبير والتصرف ونحو ذلك، فإن اعتقده فحينئذٍ صار مشركًا وإلا فلا، فالذبح نفسه لغير الله ليس شركًا ولو صرح أنه لغير الله، بل قطعًا هو يعلم أنه لغير الله فحينئذٍ هل يحكم عليه بكونه خرج عن التوحيد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت