حكم دخول"مجلس الشعب"وبيان المفاسد المترتبة على ذلك
نود في البداية؛ أن نبين أننا لا نقصد الحكم على الأفراد بأعيانهم ولكننا نقصد بيان الحكم العام، لأن هناك فرقا بين المقدور عليه وغير المقدور عليه، كما أن هناك فرقا بين الحكم المطلق، والحكم العيني، لأننا قد نقول: من يفعل ذلك فهو كافر، ولكن قد يقوم بحقه مانع يمنع من تكفيره.
وقد ذهب الناس في التكفير مذاهب شتى:
فمنهم من يكفر أي شخص دون أن ينظر إلى تحقيق الشروط وانتفاء الموانع.
ومنهم من يتورع في تكفير من كفره الله ورسوله، ويقع في خطأ فاحش عندما يرى الكفر البواح، ولا يكفر صاحبه لأنه من الدعاة أو الخطباء أو القادة، وكأن حكم الردة لا يطلق إلا على الضعفة والمساكين، ولا يطلق على ذوي المناصب أو الحكام أو المشهورين أو علماء الدين، مع أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
ونريد أن نبين هنا حقيقة هامة؛ وهي إذا وقع أي شخص مهما بلغ موقعه في الإسلام، أو وقعت جماعة كبيرة مكونة من آلاف بل ملايين الأفراد، إذا وقعوا في الكفر؛ فلا نتورع أن نسمي هذا كفرا، وإذا سميناه إسلاما، فقد سمينا الأسماء بغير أسمائها وضللنا ضلالا مبينا، ولكن نقول؛ هذا كفر ولكن صاحبه قد يكون معذورا، هذا إذا كان له وجه من أوجه العذر المقبولة شرعا، أما إذا قلنا إن هذا ليس كفرًا فقد افترينا على الله الكذب، وإن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: (فمن سمى الكفر إسلاما أو سمى الكفار مسلمين؛ فهو كافر) [214] .
ونود أيضا قبل الكلام على حكم دخول"مجلس الشعب"أن نذكر من مواد الدستور دور"مجلس الشعب"في النظام الديمقراطي.
وقد أعلن الإخوان التزامهم بالنظام الديمقراطي، فقالوا في أحد بياناتهم: (إنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون) .
وقال فريد عبد الخالق في كتابه"الإخوان المسلمون في ميزان الحق": (يمكن أيضا أن نقول في اطمئنان إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام) [215] .
وقال أيضا في حديث لمجلة"المصور": (إن لب الديمقراطية من صميم الإسلام) [216] .
وقال عصام العريان: (لماذا نؤكد ونصر على أن الإسلاميين معادون للديمقراطية؟ إن هذا افتراء عظيم، فنحن أول من ينادي بالديمقراطية ويطبقها ويذود عنها حتى الموت) [217] .
وقال حسن البنا: (إن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام) .
وقال أيضا عن الإخوان: (لا يعدلون به نظاما آخر) [218] .
وقد بينا فيما سبق حكم الديمقراطية ومناقضتها الصريحة للشرع، وقد تبين لك من هذه الأقوال أن الإخوان ينادون بالديمقراطية الكفرية"ويذودون عنها حتى الموت"، ويدعون أنها"أقرب نظم الحكم للإسلام"وأنهم"لا يعدلون بها نظاما"، فهم لا يعتبرون"مجلس الشعب"كفرا ومخالفا للشرع وأنهم دخلوه مضطرون من أجل الدعوة، بل إنهم يمدحون الديمقراطية، بل ويذودون عنها حتى الموت، فما عذرهم في ذلك؟
وفيما يلي نذكر بعض نصوص الدستور المصري التي تبين دور"مجلس الشعب"الكفري المناقض للشرع:
جاء في [المادة: 27] ، من دستور 1879: (إن وضع القوانين واللوائح يكون ابتداءً بمجلس النظار ثم تعرض على مجلس النواب للنظر فيها وتقديمها بحيث لا يكون القانون معتبرا أو دستورا ما لم يتل بمجلس النواب بندا بندا ويعطى عنه القرار ويجري التصديق عليه من الحضرة الخديوية) .
وجاء في [المادة: 24] من دستور سنة 1923: (السلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلس الشيوخ والنواب) .
وجاء في [المادة: 84] من دستور 1956: (لا يصدر قانون إلا إذا قرره مجلس الأمة، ولا يجوز تغيير مشروع قانون إلا بعد أخذ الرأي فيه مادة مادة) .
وتكررت نفس المادة السابقة في دستور سنة 1958 ودستور 1964.
وجاء في [المادة: 86] من دستور 1971: (يتولى"مجلس الشعب"سلطة التشريع ويقر السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة للدولة كما يمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وذلك كله على الوجه المبين في الدستور) .
فهذه المواد من الدستور المصري تبين؛ أن"مجلس الشعب"له حق التشريع من دون الله، وهذا كفر صريح ومناقضة للشرع، وقد أوردنا الآيات وكلام العلماء من قبل بما يغني عن إعادته، فهل هذا الحكم ينطبق على طائفة دون طائفة؟ وهل أحكام الله فيها محاباة؟
وحتى لا يدعي مدع أن هذه الوظيفة الكفرية لمجلس الشعب - سلطة التشريع من دون الله -قد جاءت في الدساتير المصرية وحدها، نقول:
لقد ورد في الدستور اليمني [المادة: 61] : (مجلس النواب هو السلطة التشريعية للدولة وهو الذي يقرر القوانين ويقر السياسة العامة للدولة) .
وورد في القاموس السياسي (مجلس الأمة؛ اسم يطلق على المجلس التشريعي في بعض الدول العربية منها ج. ع. م أي مصر والكويت وليبيا، ويستوي في ذلك المجلس المزدوج المؤلف من مجلس شيوخ ونواب كما في ليبيا، أو المجلس المنفرد كما في مصر والكويت) [219] .
وجاء في"القاموس السياسي"أيضا: (تتفق النظم الدستورية على أن إصدار القوانين أو اعتماد مشروعاتها من حق المجالس التشريعية"البرلمان، المجلس الوطني، مجلس الأمة ... إلخ) [220] ."
مما سبق يتبين لك أن"مجلس الشعب"في النظم الديمقراطية هو المجلس التشريعي الذي يشرع ويسن القوانين ويصدرها، وقد بينا من قبل؛ أن إصدار القوانين في هذا المجلس يكون عن طريق الأغلبية، فهم إن تنازعوا في شيء ردوه إلى الأغلبية ولم يردوه لله والرسول، والله عز وجل يقول: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} .
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، قال مجاهد وغير واحد من السلف؛ أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ، فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ؛ أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم، {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر) [221] .
ونحن نقول هل أعضاء"مجلس الشعب"إن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول؟ من قال ذلك فهو كاذب، ونصوص الدستور تنطق بكذبه والواقع يشهد بكذبه.
قال الحافظ ابن كثير: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفَر، فكيف بمن تحاكم إلى"الياسا"وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفَر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ، وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ) [222] .
أقول: إذا كان الذي يترك شرع الله ويتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، كمن تحاكم إلى"الياسا"التي وضعها"جنكيز خان"وقدمها على شرع الله، أفلا يكون من يتحاكم إلى الديمقراطية الكفرية التي وضعها البشر كافرا أيضا؟
هذا فيمن تحاكم إلى الكفر، فكيف بمجلس الشعب الذي يسن القوانين ويشرع الكفر للناس؟! إذا كان من تحاكم إلى"الياسا"وقدمها على شرع الله كفر بإجماع المسلمين - كما قال الحافظ ابن كثير - فكيف بمن يصنعون"الياسا"في هذا العصر ويشرعون من دون الله؟ أليس هؤلاء أشد كفرا وضلالا؟
قال الشيخ حمد بن عتيق النجدي: (إن من نواقض الإسلام؛ الأمر الرابع عشر: التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) [223] .
ومن باب أولى أن سن القوانين المخالفة للكتاب والسنة التي تحاكم إليها الناس من نواقض الإسلام.
وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} [سورة النساء: 60] .
قال الشيخ الشنقيطي بعد ذكر هذه الآية وآيات أخرى: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور؛ أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرع الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم) [224] .
فإذا كان الشيخ الشنقيطي حكم بكفر من اتبع هذه القوانين الوضعية، فماذا يقول فيمن يشارك في وضع هذه القوانين بنص الدستور، ويشارك الطاغوت في وظيفته الطاغوتية؟
ونريد أن نتساءل هنا؛ ماذا يقول أعضاء"مجلس الشعب"في القَسَم الدستوري الذي جاء في [المادة: 90] : (يقسم عضو"مجلس الشعب"أمام المجلس قبل أن يباشر عمله اليمين الآتية؛ أوقسم! - هكذا في الأصل والصواب"أقسم"- بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على سلامة الوطن والنظام الجمهوري، وأن أرعى مصالح الشعب، وأن أحترم الدستور والقانون) .
فهل رأيت مسلما يقسم بالله تعالى على احترام الكفر والحفاظ عليه؟
وقد يقول قائل؛ إنه ما قال ذلك إلا خدعة حتى يصل إلى"مجلس الشعب"ليتمكن من الدعوة فيه!
ونقول هذا كذب، لأنهم إذا كانوا يقسمون في"مجلس الشعب"من أجل الضرورة، فلماذا يعلنون احترامهم وثناءهم على الديمقراطية، بداية من حسن البنا إلى عصرنا هذا في كتبهم ومجلاتهم وعلى صفحات الجرائد، فهل لهم عذر في ذلك أو شبهة عذر؟! وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) [225] ، والذي يظهر من كلامهم؛ أن الديمقراطية لم تصبح وسيلة عند القوم بل أصبحت منهجا.
ولا أظن أن مسلما ينكر بعد الذي بيناه أن"مجلس الشعب"هو مجلس كفري، ولا أظن أن مسلما ينكر أن ما يحدث في"مجلس الشعب"من عرضهم لشرع الله على البشر ليقولوا فيه رأيهم؛ أن هذا استهزاء بالشرع وكفر بالله تعالى، وقد قال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} [سورة النساء: 140] .
قال الإمام القرطبي: (قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} ، أي غير الكفر، {إنكم إذا مثلهم} ؛ فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: {إنكم إذا مثلهم} ، فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل الوعيد في هذه الآية) [226] .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (وأكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاة لأصل الإسلام؛ نصرة أعداء الله ومعاونتهم، والسعي فيما يظهر به دينهم وما هم عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام، وكذلك انشراح الصدر لهم وطاعتهم والثناء عليهم ومدح من دخل تحت أمرهم وانتظم في سلكهم، وكذلك ترك جهادهم ومسالمتهم وعقدة الأخوة والطاعة لهم، وما هو دون ذلك من تكثير سوادهم ومساكنتهم ومجامعتهم، ويلتحق بالقسم الأول؛ حضور المجالس المشتملة على رد أحكام الله وأحكام رسوله والحكم بقانون الإفرنج والنصارى والمعطلة مشاهدة الاستهزاء بأحكام الإسلام وأهله، ومن في قلبه أدنى حياة وأدنى غيرة لله وتعظيم له يأنف ويشمئز من هذه القبائح، ومجامعة أهلها ومساكنتهم، ولكن ما لجرح بميت إيلام، فليتق الله عبد مؤمن بالله واليوم الآخر، وليجتهد فيما يحفظ إيمانه وتوحيده قبل أن تزل القدم فلا ينفع حينئذ الأسف والندم) [227] .
وقال الله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكري مع القوم الظالمين} [سورة الأنعام: 68] .
قال الإمام القرطبي: (أدب الله عز وجل نبيه بهذه الآية، كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزءون بالقرآن، فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكر، ودل بهذا علي أن الرجل إذا علم من الآخر منكرا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه) .
إلى أن قال: (قال ابن العربي: وهذا دليل علي أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل، قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر، مؤمنا كان أو كافرا، قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع، ومجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم، وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: اسمع مني كلمة، فأعرض عنه، وقال:"ولا نصف كلمة"، ومثله عن أيوب السختياني، وقال الفضيل بن عياض:"من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له"، وروى أبو عبد الله الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام"، فبطل بهذا كله قول من زعم أن مجالستهم جائزة إذا صانوا أسماعهم) [228] .
وقال الإمام الجصاص في تفسير نفس الآية: (فأمر الله نبيه بالإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله وهي القرآن بالتكذيب وإظهار الاستخفاف إعراضا يقتضي الإنكار عليهم، وإظهار الكراهة لما يكون منهم إلى أن يتركوا ذلك ويخوضوا في حديث غيره، وهذا يدل على أن علينا ترك مجالسة الملحدين وسائر الكفار عند إظهارهم الكفر والشرك ومالا يجوز على الله تعالى، إذا لم يمكنا إنكاره وكنا في تقية من تغييره باليد أو اللسان، لأن علينا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله به، إلا أن تقوم الدلالة على أنه مخصوص بشيء منه، قوله تعالى: {وإما ينسينك الشيطان} المراد إن أنساك الشيطان ببعض الشغل فقعدت معهم وأنت ناسٍ للنهي فلا شيء عليك في تلك الحال، ثم قال تعالى: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} ، يعني بعدما تذكر نهي الله تعالى لا تقعد مع الظالمين، وذلك عموم في النهي عن مجالسة سائر الظالمين من أهل الشرك وأهل الملة، لوقوع الاسم عليهم جميعا، وذلك إذا كان في تقية من تغييره بيده أو بلسانه بعد قيام الحجة على الظالمين بقبح ما هم عليه؛ فغير جائز لأحد مجالستهم مع ترك النكير، سواء كانوا مظهرين في تلك الحال للظلم والقبائح أو غير مظهرين له، لأن النهي عام عن مجالسة الظالمين، لأن في مجالستهم مختارا مع ترك النكير دلالة على الرضى بفعلهم) [229] .
وقد ذكر الشيخ حمد بن عتيق عدة أمور يصير المسلم بها مرتدا، ومن ذلك: (الجلوس عند المشركين في مجالس شركهم من غير إنكار، والدليل قوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} [سورة النساء: 140] .
وفي أجوبة آل الشيخ رحمهم الله تعالى، لما سئلوا عن هذه الآية، وعن قوله صلى الله عليه وسلم: (من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله) ، قالوا:(الجواب؛ أن الآية على ظاهرها، إن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين بآيات الله من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره؛ فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم، لأن ذلك يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر.
وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه؛ لم يقبل منه، لأن الحكم بالظاهر، وهو قد أظهر الكفر، فيكون كافرا) [230] .
مما ذكرناه من الآيات وكلام العلماء ومن مواد الدستور، يتبين لك أن"مجلس الشعب"مجلس كفري يشرع من دون الله تعالى، وأن أعضاءه نصبوا أنفسهم آلهه يشرعون للناس من دون الله، وهذا شرك بالله تعالى.
ومما سبق أيضا يتبين لك؛ أنه لا يجوز الجلوس في مجلس فيه كفر واستهزاء بآيات الله، وأن من جلس معهم دون إنكار فهو كالراضي لفعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال تعالى: {إنكم إذًا مثلهم} .
ولكن بعض الناس قد دخل"مجلس الشعب"بدعوى التغيير والإصلاح، عملا بفتاوى بعض العلماء وأقوال بعض الدعاة، فهل هذا جائز؟
لقد تبين لي مما قرأته من فتاوى تجيز دخول"مجلس الشعب"؛ أن سبب الخطأ في هذه الفتاوى يرجع إلى عدة أمور:
الأول:
أن بعض العلماء لا يرى كفر هؤلاء الحكام الذين تركوا شرع الله وحكموا بالديمقراطية الكفرية، وقد بينا كفر هؤلاء في الكلام على الحاكمية، لذلك فهم لا يرون وجوب الخروج عليهم؛ وهذا خطأ ترتب عليه جواز الدخول في"مجلس الشعب"وإصلاح ما يمكن إصلاحه من خلال هذا المجلس، والحق الذي نعتقده أن هؤلاء الحكام مرتدون كما بينا من قبل، وأن الوسيلة الشرعية هي الخروج عليهم وتنصيب حاكم مسلم - كما سيأتي بيانه إن شاء الله -
الثاني:
أن بعض العلماء لم يفهم الواقع، وقد بينا في مقدمات هذا الكتاب أهمية فهم الواقع للمفتي، وأن فهم الواقع من شروط الفتوى، وبالتالي لم يعرف حقيقة الديمقراطية والأسس التي تقوم عليها، ولم يفهم الدور الحقيقي لمجلس الشعب وأنه مجلس كفري يشرع من دون الله تعالى.
الثالث:
أن بعض العلماء أجاز دخول"مجلس الشعب"من باب المصلحة، وأنه إذا كان هناك مصلحة من الدخول - كالدعوة وغير ذلك - فيجوز، وهذا الكلام باطل؛ لأن دخول"مجلس الشعب"يترتب عليه مفاسد أعظم بكثير من المصلحة المزعومة من دخول هذا المجلس.
[212] من أراد التفصيل في موضوع الحاكمية فليرجع إلى كتاب"التبيان في أهم مسائل الكفر والإيمان"لأبي عمرو عبد الحكيم حسان، الجزء الثالث وهو الجزء الخاص بالحاكمية.
[213] مجموعة رسائل حسن البنا، وقد قال المفكر الفرنسي جيل كيبل، [في مجلة روز اليوسف 19 ربيع أول 1414هـ] عن الإسلاميين: (وهؤلاء يقولون إن الحاكمية لله، لا للشعب كما تقول الديمقراطية) ، فهل فهم أعداء الإسلام الفرق بين الإسلام والديمقراطية ولم يفهم دعاة الإخوان ذلك؟! إن ذلك لشئ عجاب!
[214] رسالة أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، ضمن كتاب مجموعة التوحيد، ص160.
[215] الإخوان المسلمون في ميزان الحق، ص177 وما بعدها.
[216] مجلة المصور المصرية، عدد 3217، 29 رمضان سنة 1406 هـ.
[217] لواء الإسلام 20/ 10/90.
[218] مجموعة رسائل حسن البنا، رسالة المؤتمر الخامس، ص274.
[219] القاموس السياسي، ص1134، وفي ليبيا الآن ما يدعى باللجان الشعبية، هي التي تقنن وتناقش وتعرض القوانين ثم تقرها بزعمهم دون تدخل من السلطة، وهذه اللجان الشعبية تماثل في الحقيقة المجالس النيابية في وظائفها التشريعية فكلهم في الكفر سواء.
[220] القاموس السياسي، ص909.
[221] تفسير ابن كثير، ج1/ 518.
[222] البداية والنهاية، ج13/ 119.
[223] مجموعة التوحيد، رسالة بيان النجاة والفكاك من موالاة أهل الإشراك، ص412.
[224] أضواء البيان ج4/ 84.
[225] متفق عليه.
[226] الجامع لأحكام القرآن ج5/ 418، وانظر ج17/ 308.
[227] الرسائل المفيدة: ص64،65.
[228] تفسير القرطبي ج7/ 12،13.
[229] أحكام القرآن ج3/ 2،3.
[230] رسالة سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك ضمن كتاب مجموعة التوحيد ج1/ 357،358، وحديث من جامع المشرك رواه أبو داود في الجهاد، وحسنه بشير عيون في تعليقه على مجموعة التوحيد هامش ج1/ 357،358.