كان هذا الجهاد الذي قام به محمد وصحبه إلا لدعوة الناس إلى توحيد الله وإخلاص العبادة ته ومنهج أخر يدعو إلى أن تؤدى المناسك على النظام الجاهلي: شرك في السجود، شرك في التلبية عرى في الطواف .. هذه العبادة الشركية الضالة زل بها العقل البشري وأودت بكرامة الإنسان وكانت في حقيقتها ومعناها تمثل بما لها من تقاليد وعادات أسوأ نظام عرفه البشر إلى يوم الناس هذا .. كان فيه وأد البنات وإكراههن على البقاء وعضلهن عن الزواج طمعا في مالهن وارث النساء كرها، كان فيه استقلال حاجة المحتاجين في أقبح صور الاستقلال، كانت فيه الإباحة الخلقية والاجتماعية إلى حد تخجل منه الإنسانية .. فالشرك بها بحمل في طياته من هذه الشرور والمأثم صورة جامعة على الإيمان وما يحمل في طياته من خير وصلاح، واجتماع منهجين هذا شأنهما اجتماع لا يقره عقل ولا يقبله شرع وليس من المعقول أن بيني منبع الشر العام ازاء منبع الخير العام وإلا اضطرب الخير واستهدف لتيارات الشر والتوت طرق الهدى والصلاح .. (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق
وهذه الحقيقة كان يعرفها تلاميذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أستاذهم، بل كانوا بدركونها واقعا محسوسا في حياتهم، يدركون هذه النقلة البعيدة التي نقلهم إليه المنهج القرآني وأنقذهم من هذا الحضيض، يدركون هذا المجد السائق الذي أوصلهم إليه الإسلام بعد نردبهم في هذه الهوة الساحقة، يدركون هذه اليد الطاهرة الني أمسكت بأيديهم فجذبتهم من الإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى حتى رفعتهم إلى التحليق في السماء والاتصال بالملأ الأعلى .. يدركون كل هذا ويعرفون البون الشاسع بين المنهجين، فلا عجب من أن يقف هؤلاء التلاميذ من الصحابة رضوان الله عليهم. يشرحون لملوك الأرض وقوادها ذلك البعد البعيد والفرق المديد بين منهج الإسلام ومنهج الأصنام والأزلام ..
سأل النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ وكان جعفر بن أبي طالب ضمن المهاجرين إلى الحبشة الحاضرين هذا السؤال فتولى الإجابة عنه قال: كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام وناكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسبي، الجوار وياكل القوى منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، ثم أخذ يعمد عليه أمور الإسلام وقال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد: الله ابتعشا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى معدل الإسلام ...
ليست قلتة عارضة: إنها لم تكن فلتة عارضة أن يقف المشركون من المؤمنين هذه المواقف الشديدة التي قصها التاريخ علينا والتي كان منها صدهم عن المسجد الحرام (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام) (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ