السدنة والستائين. لا يعرف منهما كنه هذا الفضل ولا درجة أهله عند الله تعالى، وكان ذلك ما يستشرف له الثاني والسامع بينه تبارك اسمه بيانا مستأنفا بنضمن الرد على المتنازعين في أمر المفاضلة منهيا هذا الخلاف بتقرير أفضل المؤمنين المهاجرين المجاهدين وما ينتظرهم من رحمة ورضوان ومن نعيم مقيم وأجر عظيم .. والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله.
هذا عرض لمنازل المؤمنين فيما بينهم بعد أن ميز الإيمان بينهم وبين المشركين وجعلهم جميعا في مقام كريم عند الله، ينقيل أعمالهم الطيبة ويتجاوز عن سيئاتهم، على حين لا يقبل من غير المؤمنين عملا ولو كان مما يدخل في باب الطيبات الصالحات من الأعمال .. والمؤمنون الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله من الذين آمنوا وجاهدوا ولم يهاجروا، والذين آمنوا وجاهدوا أعظم درجة عند الله من الذين آمنوا ولم بجاهدوا، وهكذا يتفاوت المؤمنون في منازلهم ودرجاتهم عند الله، وأعلى درجة عند الله للمؤمنين هي درجة المهاجرين الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، إذ قد اجتمع الهم الإيمان والهجرة والجهاد.
وبهذا البيان يكون أفعل التفضيل هنا في قوله: «أعظم درجة عند الله، على بابه لأن التفضيل حينئذ واقع بين المؤمنين فيما بينهم، أما إذا كان بين المؤمنين والمشركين فأفعل التفضيل ليس على وجهه، فهو لا يعني أن للأخرين درجة أقل، إنما هو التفضيل المطلق، فالأخرون احبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين في درجة ولا في نعيم وأي مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على السفاية والعمارة
لمجرد الاقتداء بالآباء والأسلاف، ولطلب الرياسة والسمعة، ويرى بعضهم أن أفعل التفضيل على بابه حتى ولو كانت المفاضلة بين المؤمنين والمشركين، والمعنى: أن المؤمنين المهاجرين المجاهدين أعظم درجة وأعلى مقاما في الفضل والكمال في حكم الله، وأكبر مثوبة في جوار الله من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، الذين رأي بعض المسلمين أن عملهم افضل القريات بعد هداية الإسلام ومن غيرهم من أهل البر بالسلاح، والذين لم ينالوا فضل الهجرة والجهاد، يدل على هذا العموم في التفضيل عدم ذكر المفضل عليه.
فإن قيل: أن هذا التفسير يدل على أن ما يفتخر به المشركون على المؤمنين من السقاية والعمارة له درجة عند الله تعالى، ولكن درجة الإيمان والهجرة والجهاد أعظم .. وبعبارة أخرى فإنه يوجب أن يكون للمفضول درجة، والكافر ليس له درجة .. قلنا: لا مراء في كون هذين العاملين من أعمال البر التي يكون لصاحبها درجة عند الله تعالى إذا فيلا كما يرضي الله، ولذلك أقرهما الإسلام دون غيرهما من وظائف الجاهليين، ولكن الشرك بالله تعالى بحبطهما ويحبط غيرهما من أعمال البر التي كانوا يفعلونها، (2) وأولئك الموصوفون بالإيمان بالهجرة والجهاد، هم الفائزون، بمثوية الله الفضلى وكرامته العليا المبنية في الآية التالية، دون من لم يكن مسنجمعا لهذه الصفات الثلاث وأن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام .. فثواب المؤمن على هذين العملين