جاءتههم ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا، يستمسكون به ويخافون فونه، وقد كانوا يخافون أن يضيع عليهم الإسلام شيئا من مصالحهم، أو أن يكلفهم شيئا من أموالهم
لقد كانت هذه الآيات بين أيديهم، يملكون الاهتداء بها لو أرادوا له ولكنهم رغبوا عنها وأعرضوا عن الهدى الذي تحمله إلى من يتصل بها، ورضوا بما هم فيه من حياة لاهية هازلة يتمتعون ويأكلون كما نأكل الأنعام والنار مثوى لهم .. وتركوا آيات الله في مقابل نفع قليل ينالهم في هذه الدنيا، أو اتقاء خسارة مادية قليلة يتوقعونها، فكأنما باعوا آيات الله بهذا الثمن القليل فخسروها.
فصدوا عن سبيله،،، صدوا أنفسهم بسبب شرائهم الخسيس هذا الثمن القليل بآيات الله وأعرضوا عن سبيل الله وهو الإسلام وما يقتضيه من الوفاء بالعهود، وصدوا غيرهم وصرفوهم عنه أيضا (وسيجيء بأنهم أئمة الكتر) ، أما فعلهم هذا فهو الفعل السبي، الذي يقرر الله سوه الأصيل .. «انهم ساء ما كانوا يعملون» .. أنهم ساء عملهم الذي كانوا يعملونه من اشترا، الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى، والصدود والصد عن دين الله وما جاء به رسوله من البينات والحق.
کراهتهم موجهة إلى الإيمان ذاته. وإذا كان الذي دفعهم إلى هذه الحالة معكم هو شركهم الذي أوقعهم فيه فسفهم وخروجهم عن حدود الفضيلة ومحبتهم الزخارف الفانية على المعاني البافية. فهي حالتهم مع غيركم من كل مؤمن بما لم يؤمنوا به، فهم قوم دلت عقيدتهم، ودل تاريخهم معكم. ودلت وجهتهم في الحياة على فساد طبيعتهم وتنكرهم للحق وأهله، وعلى أنه لا بجرى منهم مع بقائهم على الشرك ومقتضيائه، لالكم ولا لغيركم. وفاء ولا صدقي (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعندون) ،، من أجل هذا الكفر والصد عن الإيمان لا يرعون في مؤمن يظهرون عليه ويقدرون على الفتك به ربا يحرم الغدر، ولا قرابة تقتضي الود، ولا ذمة توجب الوفاء اتقاء اللذم لأن ذنب المؤمن في هذا عندهم كونه مؤمنا. وقد علموا أنه لا ينقض عهدا ولا بستحل غدرا، ولا يقطع رحما، وهذا أعم من قوله. كيف وأن يظهروا عليكم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون) ..
لما حده الله في دينه مما أوجبه العقد والعهد والبادئون لكم بالقتال كما فعلوا فيما مضى وكذلك يفعلون فيما يأتي، والعلة في اعتدائهم وتجاوزهم هو رسوخهم في الشرك، وكراهيتهم للإسلام وأهله،
لقد بينت هذه الآيات طبيعتهم بالنسبة للمخاطيين، وبالنسبة لغير المخاطبين، ورجعت بتلك الطبيعة الفاسدة إلى عقيدتهم الشركية الضالة وإلى محبتهم للدنيا محبة آثروا بها الفائي على الباقي، وخرجوا بها عن حدود الفضيلة .. ولا ريب أن مثل هؤلاء لا ينبني الركون إليهم، ومعاهدتهم، كما لا ينبغي الاطمئنان على عهودهم القائمة، وقد عرف أن من طبيعتهم الغدر والخيانة، فلا يصح لعاقل يريد خيرا لنفسه وخيرا لأمته، بل يريد الحق أن يستقر في قلوب