وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود:"اقرأ علي القرآن، فقال: أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى هذه الآية: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا؟) قال لي: حسبك، فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان من البكاء" (1) وعلى هذا السماع كان يجتمع القرون الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال:"خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (2) .
ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا. لا بالحجاز، ولا باليمن، ولا بالشام، ولا بمصر، والعراق؛ وخراسان والمغرب. وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك وقد مدح الله أهل هذا السماع، المقبلين عليه. وذم المعرضين عنه. واخبر أنه سبب الرحمة. فقال تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (3) . وقال تعالى (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا) (4) ، وقال تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) (5) . وقال تعالى: (ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) (6) ، وقال تعالى (فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمرٌ مستنفرة، فرت من قسورة) (7)
(1) 28) رواه البخاري (كتاب التفسير) (8/250) ومسلم (صلاة المسافرين) باب (40) وغيرهما.
(2) 29) انظر البخاري، كتاب الشهادات 9، وفضائل الصحابة 1، والرقاق 7، والإيمان 10، ومسلم (فضائل الصحابة) ، 210 وغيرهما.
(3) 30) الأعراف: 204.
(4) 31) الفرقان: 73. (35) الكهف: 57.
(5) 32) الحديد: 16. (36) طه: 123-126.
(6) 33) الأنفال: 23. (37) الإسراء: 78.
(7) 34) المدثر: 49-51.