الصفحة 45 من 53

فلا يمكن أن يقال: أن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية، بل قد يقال: أن في الشيوخ من يكون جاهلا بالطرق الشرعية، عاجزًا عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنة، وما يخاطب به الناس، ويسمعهم إياه، مما يتوب الله عليهم، فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية. إما مع حسن القصد. إن كان له دين وإما أن يكون غرضه الترأس عليهم، وأخذ أموالهم بالباطل، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) (1) فلا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى البدعية إلا لجهل، أو عجز، أو غرض فاسد (2) .

وإلا فمن المعلوم أن سماع القرآن هو سماع النبيين، والعارفين، والمؤمنين. قال تعالى في النبيين: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح، ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل، وممن هدينا واجتبينا، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا) (3) .

(1) 18) التوبة: 34.

(2) 19) تأمل هذه المقالة الذهبية، فإنها تكاد تكون كالقاعدة الكلية في أحوال الناس عمومًا، والدعاة على وجه الخصوص، والمتدبر في أحوال دعاة زماننا المتأمل في واقعهم يعرف صدق مقالة شيخ الإسلام هذه وفراسته؛ فإن إعراض الدعاة عن منهاج الأنبياء أو تفريطهم في تطبيق ملّة إبراهيم عمليًا في واقع الدعوة إلى الله، إنما يكون لواحد من هذه الأسباب الثلاثة، إما جهل بحقيقتها، أو عجز عن تحمل تكاليفها الثقال وما يحف بها من مكاره ومشاق وبلاء، أو لغرض فاسد من رياسة أو منصب أو إمارة أو نيابة أو مال. فرحم الله شيخ الإسلام، فإنه كان ينظر بنور الشريعة وفرقان التقوى وفراسة المؤمن.

(3) 20) مريم: 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت